المشتق نشرة إلكترونية نصف سنوية تم إطلاقها في تشرين الأول ٢٠٢٠، وذلك في خضم إنهيار سياسي واجتماعي واقتصادي وبيئي غير مسبوق في لبنان، هي محاولة لبناء مفردات وأساليب وممارسات جماعية قادرة على تفكيك الهجوم الممنهج الذي نواجهه وكيفية التعامل معه.

المشتق هي تلميذة إنتفاضة ١٧تشرين اول ٢٠١٩؛ إنها أولاً وقبل كل شيء كائن جذري يكمن حولها تعبئة وتكثيف مجموعة متنوعة من الممارسات العملية. من خلال تجربة نموذج التحرير الجماعي المشترك "مجموعة متنوعة من المحررين الضيوف"، فإن كل عدد هو وقبل كل شيء عذرًا للتفكير والعمل معًا وطريقة لتوسيع وتقوية شبكات الأصدقاء والحلفاء من خلال أنماط مختلفة من الخطاب والفكر والعمل.

في كل عدد جديد من المشتق يتم دعوة ثلاثة محررين ضيوف، ولكل واحد منهن\م محور معين منطلق من كلمة "جذر" مكونة من ثلاثة أحرف. ثم يتعاون كل محرر مع خمسة مساهمات\ين للمساعدة في الكشف عن الجوانب المختلفة لكل موضوع، بالإضافة إلى مساهمة فنية تستجيب لكل نص.

ضبط النفس: بين النار والمتاهة جيسون محقق في مقابلة مع دانا داوود

جيسون محقق هو أستاذ مشارك في الأدب المقارن والفلسفة في جامعة بابسون. تستعرض أعماله الحركات الشعرية والفلسفية والفنية الصاعدة عبر الشرق والغرب، كما وتركز على مفاهيم الفوضى، الوهم، العنف، الاختفاء، الهذيان، الصمت، الجنون، القيامة، الليل، والمستقبل. له تسع كتب منشورة، من ضمنها: ’’الخيال الفوضوي‘‘ (منشورات بالغريف، ٢٠١٠)؛ ’’تسبّبات:كتابة العنف‘‘ (منشورات بلومزبري، ٢٠١٢)؛ ’’الضمني الجذري‘‘ (منشورات روتلدج، ٢٠١٣)؛ ’’متمرّد، شاعر، متصوّف، طائفي: الأقنعة الأربعة لما بعد حداثية شرقية‘‘ (منشورات أس يو أن واي، ٢٠١٤). مؤلفاته الأخيرة تحمل عناوين ’’الانقراض البشري: الهوس، القدرية، والمستقبل في هذيان‘‘ (منشورات أم آي تي برس / أوربانومك / سيكوينس، ٢٠١٩) و’’ الليل: فلسفة ما بعد الظلام‘‘ (منشورات زيرو بوكس، ٢٠٢٠). كما ويشغل محقق منصب مدير ’’ برنامج دراسات المستقبل‘‘،وين؟؟؟ وهو مدير الدراسات العابرة للتخصصات في’’المعهد الجديد للأبحاث والممارسة‘‘، ومحرر مشارك لسلسلة كتب ’’سسبنشنز‘‘ (منشورات بلومزبري)، ومؤسس مختبر الاختفاء الخامس.

دانا داوود هي فنانة وكاتبة تستكشف أنماط مختلفة من التفكير من خلال الفن التشكيلي، الكتابة، والأفلام. تعمل حالياً على مشروع ’’ خوذة المتعة‘‘، وهو بودكاست شهري تجريبي يجمع بين ما هو فنّي وأكاديمي وباطني.

دانا داوود: نواجه في هذا المنعطف الزمني انكماشاً فكرياً وروحياً، ونتسأل: أين الطريق إلى الطريق. عادة ما تبدأ النظريات التي تدعو إلى فهمٍ كلّي للنظم السياسية والاقتصادية بفرضيات خاطئة ولا تصل بالتالي إلى نتيجة؛ هذا هو بالضبط سبب وجودها في نوع من الجمود.

تصوُّر إقتصادات مستقبلية قائمة على الثنائيات، كالحاجة مقابل الرغبة مثلاً، يتطلب منا أن نتخلّص من الاقتصادات الفعلية المتعددة التي تفيض عن رغباتنا وحاجاتنا. هناك اقتصادات الحرب، اقتصادات الظل، اقتصادات الانهيار—وهي موزّعة بطريقة متفاوتة وتتخلّلها قطائع وفورات وشقوق. في كتابك ’’الانقراض البشري: الهوس، القدرية، والمستقبل في هذيان“، تبتدأ واحدة من المتاهات العديدة التي تبنيها بمقطع من قصيدة لمحمود درويش: ’’قلبي فائضٌ عن حاجتي، متردِّدٌ ما بين بابَيْنَ : الدخولُ هو الفُكَاهَةُ، والخروج هُوَ المَتَاهَةُ‘‘. ماذا يعني الخروج من المتاهة؟

جيسون باهبك محقق: لنبدأ من العنصر الأكثر شؤماً في هذا الطرح: أن تستيقظي في متاهة يعني أن تجدِ نفسكِ في بناء هندسي من تصميم شخص آخر، وأن تكوني بالتالي ألعوبة لعوائق مشكّلة مسبقاً ومصمّمة ضد مستوطنيها. بخلاف شخصيات سيد اللعبة أو صاحب الأحجية أو صانع الألغاز الذين يأملون فعلاً أن يتمكن عملائهم من تخطي تحديات معقدة، نتصوّر بهجة المشرف الذي يضع التعقيدات فقط من أجل الإدانة ومن أجل مشهدية تجوال عبثي. أمنيته هي إما في إطالة الفشل إلى الأبد أو في أن يقتلك هناك—في ظل استسلام وإنكسار وإرهاق.

١. لذلك، فإن الدافع الاستراتيجي الأول للنجاة من المتاهة هو ضبط النفس: وبشكل أكثر تحديداً، كبح جماح الرغبة في التحرك وبالتالي التحرّر من رد الفعل المذعور نحو الفرار / البحث / الهروب. بدلاً من ذلك، على المرء أن يقاوم السقوط أكثر في منطق الفخ الخاص بالمتاهة، حيث تغرق كل خطوة بشكل لا رجعة فيه، وأن يفكّر تالياً في إحتمالية اللا مخرج، اللا أفق، اللا مهرب. نتعلم هذا الدرس من المينوتور—وهو التجسيد المثالي للتقشّف: لا أصدقاء، لا أثاث، لا ألقاب أو زخارف تزيينية في المحيطالذي يعتاد على أحادية اللحم والحجر المحض. ضبط النفس هذا، الذي يصادر كل أحلام الخارج، هو تأكيد قاتل: إنه يمنحه السيطرة المطلقة على كل من يدخل؛ يمنحه تركيزاً نادراً وقاتلاً يجمع بين غريزة حيوانية ووعي وحشي.

٢. ثانياً، يجب أن نعتبر العلاقة الخفية بين ضبط النفس والاندفاع كتكتيك ذو طبيعة خاصة بالمتاهة. إذا درس المرء الطقوس القديمة للمآدب أو المهرجانات أو حتى الاحتفالات الكبرى لأكلة لحوم البشر ’’الإنغماس، الإفراط‘‘، يلاحظ أن ساعة الالتهام غالباً ما تسبقها فترات طويلة من الصيام (الحرمان). لذلك يتأرجح النوّاس بين الضَوْر والتفجّر، تماماً مثلما يولّد احتواء الماء أو الهواء هطول الأمطار الغزيرة.

ولهذه الغاية نفسها، يوجد بالفعل سرٌّ متأصّل في تصوير المحارب الهادئ في تقاليد السرد القديمة، فهذه الملاحم غالباً ما تتخيّل المحارب يتجول على طول الشواطئ المقفرة أو يسكن بمفرده لسنوات في القلاع الجبلية. دائماً ما تفضي صوَر الخمود المطوّل هذه إلى غيظٍ لاحقٍ يهزّ أكواناً عند عودة ظهور المحارب. هذه ليست نظرية عن حفظ الطاقة، بل هي بالأحرى تراكم طاقات محتملة—الاكتناز، والتكديس، ثم إسقاط الشدّة المتقلبة—فكما قال أحد الفنانين الغامضين: ’’ وحدها الشدّة لا تكذب‘‘. علاوة على ذلك، فإنها تربط أيضاً ضبط النفس بمفهوم انتظار الوقت المناسب: عملياً، توفيت جولات معينة وانتظار اللحظة المناسبة للقفز/ الانقضاض (البراعة في كلٍّ من الغيظ والحرفة). هذه ليست فلسفة خمود، بل هي فلسفة مضاعفة الفرص.

٣. ثالثاً، دعينا نتبع هؤلاء الزهّد—الرهبان، المتصوفون، ممارسي الفنون القتالية—إلى المسافات البعيدة حيث أقاموا عهود الصمت، تفقير الذات، جلد الذات، أو احتقار الذات كطرق للنشوة الإلهية. يجب أن نفهم أن أكثر الأشكال حدّةً لهذه الممارسة لا علاقة لها بالتقوى ولا بالتواضع أو العبادة المتعالية، بل هي عبارة عن رهانات متمادية في المجازفة لنيل الربح المطلق، أي الصيرورة إلهاً. ومن ثم فإن مثل هذه القواعد القاسية لضبط النفس—التشويه، الجوع، العزلة، القذارة—لم تكن غير مقامرة وصلت رهاناتها إلى الحد الأقصى للحظ، أي تأليهه.

مع تحديد هذه المسارات الأولية، أود فقط أن أضيف هذه الملاحظة الأخيرة: يمكن لضبط النفس في ظروف متعددة أن يمارس صفة تخريبية عميقة من حيث أنه يوقف حركة عالمٍ متكررٍ. بتعبير أدق، يوقف استبداد المماثل عن طريق تعطيل العادة (انهيار أساطير الهوية)، والخلافة(انهيار أساطير القوة)، والسببية (انهيار أساطير الواقع). وهكذا، نعود إلى هؤلاء المتصوفين أنفسهم الذين تكمن جذريتهم في مبادرتهم الابتعاد عن العالم. بقول آخر، يجب على المرء في بعض الأحيان لمغادرة المتاهة أن يتخلى / ينسى أولاً فكرة المتاهة نفسها؛ هذا النسيان هو هو ضبط النفس بملء الإرادة.

د.د.: المسارات التي ترسمها لإزالة استبداد المتاهة تشير إلى المشاهد الزمنية التي تتوسط التراص الكثيف للإمكانيات وإلى رمي النفس في الصدفة. ما هي الأشكال التي تتخذها هذه الزمانيّات—هل هي موجودة في مكان ما يستمر في التدهور نحو لحظات أبدية من الاحتمال، أم أنها استعراض من الزمانيّات الحاضرة التي تدفعنا قدماً إلى المستقبل؟ علاوة على ذلك، كيف يمكن فهم فلسفة الصدفة؟

ج.ب.م.: هذا السؤال يحثّنا على وصف فلسفات مختلفة من ’’ الزمن المقيّد ‘‘، وأن نتسأل كيف، للمفارقة، يمكن لممارسات معينة من الربط والالتحام والتشديد (معيار التعويذة) أن تفتح زمانيّات سرية. إن البوابة الأولى لأي سرية هي دائماً تعهدٌ بضبط النفس.

لنبدأ إذاً بتخيّل خمس قوى فريدة تواجدت عبر الزمن، وإلى جانبها خمسة ممارسين معينين لهذه القدرات: ١- من صدّى الزمن؛ ٢- من جمّد الزمن؛ ٣- من جعل الزمن يرتد؛ ٤-من نحت شقوق إضافية في الزمن؛ ٥- من فاجأ الزمن (من خلال فعل في غير أوانه). بلا شك، يجب على كل شخصية من هذه الشخصيات ضبط بعض عناصر تجربتها من أجل اكتساب مثل هذه التقنيات الاستثنائية، تماماً كما يموت الشهداء صغاراً من أجل الوصول إلى خلود بديل باستخدام الانكماش الوجودي بطريقة تسمح لهم بلعب لعبة الأبدي الطويلة. وعليه، نسأل مرة أخرى: ما الذي يجب أن يذعن المرء أولاً (ثمن ضبط النفس) من أجل التلاعب بكل من تلك الزمانيّات المحجوبة المذكورة أعلاه؟

إن الحديث عن الصدى، يعني التفاعل مع مشهد زمني من الأصداء الجزئية، والتي يصل معظمها بعد فوات الأوان، فيما يضيع أثر مصادرها. أما الحديث عن المجمَّد، فهو يعني التفاعل مع مشهد زمني من الحيويّة المعلّقة، حيث تتجمّد عقارب الساعة النحيلة وتحاكي الظواهر حالات الركود المطلق. وأما الحديث عن الارتداد فهو يعني التفاعل مع مشهد زمني من الاصطدام المرن، أي إخضاع جميع المسارات للالتفاف والانحراف، ولغلبة الزاوية، في حين أن كل شيء يتحرك وفقاً لهندسته الفوضوية. وأما الحديث عن النحت فهو يعني التفاعل مع مشهد زمني من الشقوق الصغيرة، تلك التي تمدّد الأحداث بفاصل ثوانٍ، وبالتالي شراء نفسٍ مسروقٍ إضافي واحد مع مرور كل لحظة. وأخيراً، فإن الحديث عن اللا أوان فهو يعني التفاعل مع مشهد زمني من المتسللات والكمائن الفاقدة للصلة، حيث يعاقِب هؤلاء الهاربون الذين حددوا أنفسهم بعد وفاتهم كل لحظة متكبّرة بارتعاشات غير المتوقع، اللامثيل له، والذي لا حق له بأن ينوجد أصلاً.

لكن الآن، دعينا ننتزع مدارس الزمن المقيّد الخمس من التجريد ونكشّفهم عبر محور عميق، معروف لكلٍ من أحلكِ البيئات الشمولية (السجن)والعوالم المنهارة للدول الفاشلة (الشغب). ما الذي يجب أن يقدّمه كل من الشخصيات التي ذكرناها للبائسين في الزنازين الرطبة أو لأولئك المرميّين وسط الحطام؟ ما القوة العزاء هذه التي تقدمها الزمانيّات السرية للمصائر المستوية في انعدام آفاقها لكلٍ من المعذّبين والمدمّرين والمشرّدين؟ يمكننا أن نتخيل الصدى كشيء يهرّب الرسائل من وإلى غرفة الحبس الانفرادي؛ المجمَّد كالذي يسمح بإلقاء نظرة خاطفة أخيرة على مجتمع يحترق؛ الارتداد كوسيلة لحرف التأثيرات القاسية إلى مكان آخر أو أي مكان؛ النحت كنافذة ضيقة لتذوق العالم العابر تحت الحصار أو الحداد عليه أو لعنه؛ واللا أوان كالرؤية التي تبيّن تلك العوالم التي يمكن تصورها رغم أنها لم تولد قط والتي تتراكم في أرشيفات الافتراضي. هم أيضاً لديهم حساباتهم، في بعض الاحتمالات الصامتة.

لذلك، ليس من قبيل المصادفة أن ثلاثة من أكثر المؤلفين شهرة في المنطقة العربية، الذين تحمّلوا الحرب الأهلية اللبنانية في الوقت نفسه ومن مواقعهم المختلفة في بيروت، سيؤلفون صوراً ظلّية للمدينة المتضررة تختبر مثل هذه الآثار من اضطراب الزمن. يكتب محمود درويش: ’’ الساعة الثالثة. فجر محمول على النار. كابوس يأتي من البحر. ديوك معدنية. دخان. حديد بعد وليمة الحديد السيد. وفجر يندلع في الحواس كلها قبل أن يظهر‘‘[1] تكتب غادة السمان: ’’ حينما طلع ضوء الفجر، كان كل منا يتأمل الآخر بدهشة: كيف بقينا أحياء؟ كيف نجونا من تلك الليلة؟‘‘[2] يكتب أدونيس: ’’طول سنوات الحرب الأهلية، خصوصاً في أيام الحصار، تعلمت أن أقيم علاقاتٍ ودّية مع الظّلمة، وأن أعاشر ضوء آخر، لا يأتي من الكهرباء، ولا من ضوء المصباح الغازيّ أو مصباح الكاز. هذه العتمة إضاءة سرّية تقتلعك حتى من ظلك، وتلقي بك في بُؤرةٍ من التفجّر النّورانيّ.‘‘[3] هؤلاء المؤلفون هم أنبياء يتمتعون بضبط نفس شديد، ويتغاضون عن أثر قرون كارثية بوعي من خارج هذا العصر؛ نحن نلعب دور التنصت على كلماتهم القلقة من أجل تتبّع خطى مثل هذه الزمانيّات الظلالية.

كل هذه التكتيكات لها تطبيقات بالغة الأهمية في أكثر الأماكن دماراً، سواء داخل الزنزانة أو في الشارع. إنهم يطالبون بمقايضة رهيبة من نوع ما من فاعليهم، لأنه غالباً ما يتم كسب الزمانيّات السرية ببيع حصصنا المتبقية من الزمن الخطي. هكذا هي الحرب التي لا هوادة فيها بين التسلسل الزمني وأحلامنا المفضلة عن الهذيان / الهروب، وهو التذكير بأن ’’التحمّل‘‘(ربما أهم مفهوم يمكننا إدراكه) هو أيضاً وفي حد ذاته مبدأٌ لضبط النفس.

د.د.: إن زمانيّة ضبط النفس هي التحمّل والتضحية، حيث يتم التفاعل مع الأخيرة كقوة نشطة للخَلق تقدّم للذوات الناشئة شكلاً من أشكال السيطرة على سقوطها المتلاشي. يكتب أرتو: ’’ لم أعد أرغب في أن أكون محكوم بالأوهام. / […] سئمت من هذه الحركة القمرية التي تجعلني أسمّي ما أرفضه وأرفض ما أسميته. / يجب أن أنهيها. […] / سوف أسقط في الفراغ […] ‘‘[4] إن هذا القطع مع الزمانيّة الخطية والتمثيل الغائي هو الذي يسمح بعبور القوى والتكتيكات المختلفة التي حدّدتَ معالمها سابقاً.

في النص ذاته، يتحدث أرتو عن النار. لقد كانت النار عنصراً متكرراً في قراءاتي هذا العام، كما لو كنت أصادفها باستمرار في الكتب والصور وأحداث الحياة الحقيقية. هناك شيء ما يتعلق بالنار والذي دائماً ما يُحدِث قطعاً مع كيفية إدراكنا لمستويات الحياة. في رواية هاينريش فون كلايست، يقوم بطل الرواية الرئيسي’’مايكل كولهاس‘‘ ، الذي يواجه الظلم، بإشعال كل ما يلفت نظره في نار مستعرة. بمجرد إدخال النار في الرواية، فإنها تبتلع كل شيء؛ بل إنها تحل مكان الاستعارات والأوصاف المرتبطة بوجدان كل من الشخصيات المختلفة. الكل يتكلم لغة النار. يصادف كولهاس إمرأة غجرية معروفة بنبوءاتها؛ توجّه نظرها إليه وتعطيه ورقة وتخبره أن الورقة ستنقذ حياته. عندما يُقبض عليه، يُحكم عليه بالإعدام، و قبل أن يُقطع رأسه مباشرة، يبتلع الورقة والسر الموجود بداخلها. ماذا يمكن أن تخبرنا النار عن ضبط النفس؟

ج.ب.م.: هذه خطوة أخيرة جميلة للرقصة— غالباً ما يدور فن تصميم الرقصات بحد ذاته حول التفاوض على الاتفاقية السرية بين ضبط النفس والحركة. وبالتالي، فإن تمهيدك هنا يتطلب منا أن نبقى برفقة عابدي النار القدامى، حيث يحرس كهنة اللهب الأبدي النار طوال الليل في المعابد لمنعها من الانطفاء (الأرق المقدس كضبط للنفس)؛ أو الجلوس في قوافل العرافين القدامى الذين قدموا أنفسهم كأوعية لتدفّقات قدرية، فيما يقرأون الجسيمات الحارقة للرسائل المضمّنة في كراتهم البلورية أو في الرماد المتناثر (الإلهام النبوئي كضبط للنفس)؛ أو الدراسة مع أول حرفيي الألعاب النارية الذين اكتشفوا قدرات التفاعلات الكيميائية القائمة بذاتها والطاردة للحرارة، والتي كانت عروض الألعاب النارية الخاصة بهم تلاعباً شبه إعجازي بالحرارة والضوء (التفجّر المذهل كضبط للنفس). أدركَت كل هذه المجموعات المختلفة أن زرع فتائل كبرى في العالم تتطلّب الصبر والحياد والضغط والسماح بالعد التنازلي. كانوا جميعاً يعلمون أن احتمالية سرقة القوة من اللانهائي تعتمد بشكل كامل، مثل أي سرقة بروميثيانية، على بساطة إيماءاتهم—الدقة والخفة وإخفاء الهوية وإرادة القيام بانتهاكات غير ملحوظة. فالمرء حذر دائما عند اللعب في النار.

ترجمة:إياد ريا 


.[1] درويش، محمود: مع الأسف، كانت الجنة. ترجمة، م.عكاش، س،فورش، س.انطون، أ. الزين. باركلي، س أ: جامعة كاليفورنيا للنشر، ٢٠٠٣. ص.٤

غادة السمّان، كوابيس بيروت، بيروت: منشورات غادة السمّان، ٢٠١٠، ص. ٧. [2]

      أدونيس، كتاب الحصار، حزيران ٨٢ – حزيران ٨٥، دار الآداب، ١٩٩٦، ص. ٣٧. [3]

 انطونان، ارتو، موت ابليس، وكتابات باطنية أخرى، ترجمة: اليستر هاملتون وفكتور كولتي، عن: كالدروبويارز،لندن، ١٩٧٤، صفحة. ٦٤. [4]

مكننا من فهم المجال السياسي والاقتصادي

[iframe width=”100%” height=”166″ scrolling=”no” frameborder=”no” src=”https://w.soundcloud.com/player/?url=https%3A//api.soundcloud.com/tracks/304567138&color=ff5500&auto_play=false&hide_related=false&show_comments=true&show_user=true&show_reposts=false”][/iframe]

الإنتاج الثقافي المتنامي

مؤتمر متسكّعون ومتسكّعات

توقّفت سباقات الخيل قبل بضعة أشهر وسُرِّحت الخيول. كان لدى معظم المالكين إسطبلات خاصة، وعلى الرغم من ذلك، تُركت بعض الخيول تتجوّل حول مضمار الخيل في مجموعات من ثلاث، معلنةً عن مطالبها قبل وقت إطعامها بلغة خيل حزينة. في الظهيرة كان صهيلها، أو على الأقلّ بدا لي صهيلها، كما لو أنّه نمّ عن استياء عميقٍ من التدفّق الأخير للبشر الى الميدان ووجودهم المستمرّ فيه.

في أيلول، ولسبب كان أم نزوة أم اِبتِلاء، انضممت أنا ومزنة إلى الرعاع: المجموعات التي تمّ إعفاؤها حديثًا من واجبات العمل وتلك التي كانت دائماً على هامش الدورة الإنتاجية وأولئك الذين يحملون الجنسية أو لا يحملونها وصفوف العاملين سابقاً في البناء والنادلون وعمّال توصيل الطلبات وعمّال النظافة والحمّالون ومعلّمو المدارس وأعضاء هيئة تدريس جامعيّة وطلاب المدارس والجامعات والمسوّقون ومشغّلو مراكز الاتّصال وفنّيو المختبرات وفنّيو المسرح وربّات البيوت الفارّات من منازلهن والعاملات المنزليات المهاجرات الفارّات من منازلهن والجحيم البيروقراطيّ تحاولن مغادرة البلاد وعدد قليل من عائلات اللاجئين السوريين الذين لم يخيفهم العداء المتزايد الموجّه إليهم وموظَّفو القطاع العام من ذوي الرتب الدنيا والمتقاعدين وموظَّفو ما يفوق ألفي منظّمة غير حكومية وموظَّفو أكثر من ستين مصرفًا وموظَّفو السفارة والمطار ووكالة السفر وخدمة التأشيرات الذين كان يعمل بعضهم في مركز «TLScontact» على الجانب الآخر من الشارع الذي ما عاد متعاقدا مع سفارات منطقة «الشنغن»… التاليون شكّلوا مجموعات فضفاضة: موظّفو المركز الطبّي بالجامعة الأميركية في بيروت الذين تمّ تسريحهم بشكل جماعي، وعاملات المنازل الإثيوبيات والكينيات والسنغاليات والسيراليونيات اللواتي طُردن من منازلهن وتم رميهن عند مباني سفاراتهن، وعمّال النظافة البنغلاديشيون والهنود الذين تركوا «رامكو»، إضافة الى آخرين. قد يتهيّأ للبعض أن هذا الحشد شكّل احتلالا للميدان بامتلاكه إرادة سياسية إجماعية ونوايا لمقارعة الخصوم (من؟). ذلك ممكن إذا كان الحشد على اتفاق او تنسيق فعّال، لكن الأمر لم يكن كذلك على الإطلاق. في الحقيقة، كان جلّياً أنّه لم يكن هناك ذرّة من الرؤية المشتركة أو الالتزام بين أولئك الذين أرادوا العودة إلى بلدانهم الأصلية حالما تسمح لهم الظروف بذلك، وأولئك الذين لم يرغبوا في العودة إلى بلدانهم الأصلية، والمواطنين الذين لم يكن لديهم لا مقدرة على الالتجاء إلى جوازات سفر أجنبية ولا خطة هروب. لم يتمكّن معظم الأشخاص الذين تحدّثت إليهم من شرح سبب وجودهم هناك ولجأوا إلى التفصيل المبهم للظروف الملتوية التي نجوا منها بعد تواتر أزمات العام الماضي. عند عرض موضوع الوباء تلكّأوا وناوروا وأنكروا، أو أشاروا الى كمّاماتهم. كانوا جميعًا هنا، في المكان نفسه، يهدرون الوقت (أي وقت؟).

شغّل المجتمعون المطابخ وأقاموا الخيام وتسلّقوا الأشجار ولعبوا الورق وطاولة الزهر وحبكوا وأجروا مناظرات غير جادّة. في الأغلب، شاهدوا الأخبار من محطّات متعددة أقيمت عبر الميدان. لم يكن أحد يعرف بالضبط من أين أتى المال لإنشاء ذلك، وأصلا آنذاك، كان القليل منهم يكترث كفاية ليسأل. كما في معظم الأحيان، كان هناك بعض من الخيّرين المحلّيين وأفراد في المهجر يرسلون الدولارات الطازجة. لم يكن هناك من ترتيبات لفصل الشتاء القادم. في الهواء الطلق، بثّت الشاشات الحروب الصغيرة: انفجار موسمي لمستودع في مكان ما والمزيد من الاحتجاجات والاحياءات ورصد لنشاط الخلايا الإسلامية الأصولية النائمة في الشمال وتمرّد في سجن رومية حيث قام السجناء المطالبون بالعفو العام بتحميل مقطع فيديو ليؤكّدوا أنهم نزلاء المبنى «أ»، لا المبنى «ب» حيث أقام الإسلاميون الأصوليون المسجونون منذ سقوط خلافة «داعش». أحداث يعتدّ بها لكنها لم ترقَ الى مستوى الضربة القاضية التي كانت قد حدثت سابقاً، مؤخّراً. في الميدان، ظلّ بعض الكشافة أو أفراد المجتمع المدني يقومون باستعراض تنظيف القمامة التي خلّفها الآخرون. أمّا قطاع الشباب في الحزب الشيوعي اللبناني فقد عرض فيلم «دكتور سترينجلوف» للمخرج ستانلي كوبريك.

قابلت ثلاثة من معارفي هناك. تمركزوا حول حوض السباحة الفارغ في «قصر الصنوبر» المهجور الذي يقع إلى الغرب من مضمار الخيل. اعتدت أنا ومزنة أن نصادفهم في بار «ميدو» حيث كانوا إما مُعدين بقنوطهم أو ثملين صاخبين، كما كان معظمنا. الآن بدوا كأنهم يحافظون على نبرة دافئة في الكلام، يلقون كلماتهم بسرعة كما لو أنهم يبنون جمل بعضهم البعض، تقريبًا إلى حد الهوس. أمضوا أيامهم في صنع الميمات. عرض لي أحدهم، وهو طاه أرمني، نظريته. قال إن المدينة قد أصابها نوع من العطل في آب وأن قطبيها هما المرفأ وغابة الصنوبر، أضحت مثل منجم مفتوح توقفت فيه الأعمال وغادرته القوى العاملة، قدم إليه سكّان المنطقة القدامى لتقييم تغيّر معالمه بعد عقود من عنف التمدّن الوحشي. قال إنه من المناسب أنه تم إعادة زراعة غابة الصنوبر – وهي آخر قطعة أرض خالية من المباني في المدينة – في التسعينيات بعد أن أبقى الغزو الإسرائيلي عام ١٩٨٢ والحروب الأهلية على القليل من الشجر التي أمر بزراعتها الأمير المعنيّ فخر الدين الثاني في القرن السابع عشر لإعادة إحياء غابة قديمة لأشجار الصنوبر الحلبي، كان قد وصفها رئيس الأساقفة والمؤرخ ويليام الصوري في القرن الحادي عشر وتم القضاء عليها تدريجياً بعد قرون من توفير الأخشاب للتجارة والسفن الحربية التي سمحت لبيروت الدخول في نشاط تجاري في ظل الحكم الفينيقي واليوناني والروماني والعربي، وإنه كان هناك تاريخ يجب كتابته في نفس قطعة الأرض هذه، بعد أن هجرت المدينة نصف نفسها بين عشية وضحاها. مزنة، التي كرهت التصورات السامية مثل أي وقت مضى، على الرغم من كل ما حلّ بنا، قالت أن الطاهي ثمل تحت تأثير مخدّر فاقد لعقله.

فيما بعد، جلست أنا ومزنة وسط تشكيل من أطلال أعمدة رومانية، حيث بعض العائلات تشاهد مسلسلات الظهيرة. جاءت امرأة حامل برفقة والديها المسنين وجلسوا بالقرب منا. عرّفت عن نفسها على أنها نيرمين، وسألت عمّا إذا كان بإمكاننا أن نريها المكان. كانت تحمل كرسيًا قابلًا للطي لأنها لم تستطع الجلوس على الأرض في وقت متأخّر من فترة الحمل. تحدّثَت هي ومزنة مطولاً. نيرمين فلسطينية، تركت زوجًا معتدي قبل بضعة أشهر وعادت لتعيش مع والديها. أحضرتهم إلى الحديقة بعد أن ملّوا البقاء داخل المنزل، لكنهم سيعودون إليه في الليل لكي يناموا. في مرحلة ما من المحادثة سألنا والدها من أين أتينا. عندما سميت قرية أبي في عاليه – والتي لم أزرها منذ سنين – سكتت نيرمين. لاحقا أخبرتنا أنها أنجبت جنينا ميّتًا قبل عامين. كان من الصعب أن تدفن الطفل في أي من المقابر الفلسطينية، لذلك رتّب زوجها لدفنه في قطعة أرض ذات مدرّجات زراعية امتلكها صديقه في نفس القرية. قالت إنها لم تزره قط، وإنها كادت أن تقرّر ألّا تحمل مرة أخرى، وعلى الرغم من ذلك، ها هي الان، حاملاً. لم تكن متحمّسة للغاية بشأن ولادة الطفل في الوقت هذا، لكنها كانت تتدبّر أمورها. مرهقة ولكنها لم تكن تعيسة على الإطلاق. اشتكى والداها أن الصوت العربي المُدبلج للشخصية الرئيسية لميس قد تغًيّر في المسلسل التركي الذي كانوا يشاهدونه.

أقام بعض أعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي قاعدة مؤقتة في مدرسة «كوليج سانت سوفور» إلى الجهة الشرقية من الميدان. الزوبعة الحمراء المكوّنة من أربع نقاط، الشبيهة بال «السواستيكا» على علمهم الأسود ما زالت تُدبّ الرعب في القلوب، لكن هم ما عادوا يثيرون الذعر كما فعلوا قبل بضع سنوات، حتى في أذهان مشاة شارع الحمرا، حيث يقع معظم مقارهم الرئيسية. لقد وقفوا حينها على أسوار خيالية يصطنعون الدفاع عن أنفسهم، مفارقة تاريخية بين الأحياء. من هم هؤلاء الأشخاص المهذبون الذين ما زالوا ينظرون إلى الخريطة ويفكّرون، بحماسة الاشتراكيين الوطنيين القاتلة، أنّ شعوباً وأراضي قد فصّلت من نفس القماش ويجب خياطتها معًا مرّة أخرى، وأن تلك عقيدة وقضيّة تستحق التبنّي، على عكس رغبات جميع المعنيين تقريبًا؟ هل ورثوا الدافع الايماني من آباء غيّورين؟ «شو برجهن»!؟ كانوا يتدرّبون كل اثنين على عرض عسكري صغير، يرتدون سراويل كاكيّة وقمصانًا سوداء وأحذية مهترئة بشكل واضح. بعضهم أعضاء في «نسور الزوبعة» جناح الحزب المسلح، لكن لم يحملوا أي أسلحة في المسيرة. لم يشاركوا في الأحاديث والمبادلات التي أقيمت في الحرش. معظم الأشخاص الذين أعرفهم في الحرش ببساطة تجاهلوا وجودهم، يمرّون بالمقرّ برزانة حريصين على أن يتحرّكوا بسرعة، أبصارهم خاشعة لا تجول عيونهم نحوه.

بعد أيام قليلة، قابلت شخصًا لم أره قبل ذلك في مكان عام أو في وضح النهار. اسمه جلال. التقيت به العام الماضي عبر تطبيق مواعدة، قبل أن أقرّر الامتناع عن ممارسة الجنس وأصبح عازبًا. كان لديه «فيتيش» أقدام وأحذية بدأ الحديث عنه عند ترتيبه للقاء شخص ما. (هناك إجماع شفهي، على الأقل بين أصدقائي، على أن جزءًا كبيرًا من الرجال المثليين في بيروت لديهم فيتيش القدم، لكنني لم أسمع بعد تفسيراً معقولاً للظاهرة). عندما التقيت به كان يدرس الكيمياء الحيوية في الجامعة اللبنانية ويعمل كفني مختبر. من خلال تصميمات شقّته الداخلية التي ظهرت في الصور التي أرسلها لي، عرفتُ أنه يعيش في شقة مزنة القديمة أسفل مستشفى الجعيتاوي. أعترف أن هذا كان جزءًا كبيرًا من سبب قراري الذهاب إليه، حتى بعد موافقته على دفع مائة دولار. قال إنه استمتع بالدفع وأن الصفقة كانت جزءًا من ال«كينك». وصلتُ إلى عنوانه ووجدته قد خرج من الشقة إلى المبنى المواجه لها. قال إنه لم يترك منزل والديه إلا مؤخرًا، وأنه كان يتقاضى أجرًا لائقًا بمقدار الساعات الإضافية التي كان يعملها. كنت عاطلاً عن العمل بشكل دوري، حتى منذ قبل يوم الخروج وقبل أن أضحى معظم الناس عاطلون عن العمل أيضا. كان عطوفا في حديثه معي، لكنه ظهر كشخص صارم للغاية في حياته الخاصة. استلقى على الأرض تحت طاولة القهوة وطلب مني أن لا أخلع حذائي طوال الوقت، متلقّيا كل قذارة المدينة في مبادلتنا الخاصة، كما لو كان يرغب في تلطيخ لسانه حنقاً على شيء ما.

 بعدها بسنة بدا غير مثقل بالأعباء وهو مستلق على الأرض تحت شجرة صنوبر. روى كيف توقّفت أعماله السابقة، مازحًا بأن دفعه لمئة دولار نقدًا مقابل الجنس الآن بات أمرًا محال بعد انهيار العملة.

غادرتُ جلال، اتصلَت مزنة معلنة أن نرمين قد دخلت في المخاض وانه تم نقلها سريعا إلى المستشفى العسكري الميداني المغربي الذي أقيم بجوار المستشفى العسكري اللبناني إلى الشرق من الحرش. لم يطلب المستشفى الميداني أي أوراق، لكنه لم يكن مهيّأ لا بالعدة ولا بالعاملين في قسم الولادة. إحدى الممرضات المغربيات كانت قد تدربت سابقا لتكون داية، وحضرت دايتان أخريان صادف أن كانتا في الحرش للمساعدة. الرمال بدت حمراء في ضوء غروب شمس تشرين الثاني، وحركة المرور على الطريق السريع ميّتة.  ظللنا برفقة والدي نيرمين حيث انتظرناها جميعًا. كان من المتوقع أن تمرّ بولادة خالية من التعقيدات، وبعد مرور أربع ساعات تمّ ذلك.

ترجمة: صفا حمزة

الأجساد في بثّها الدائم: مقابلة مع راديو إرث هولد

العمل الفني: أصداء الضجة - الفنانة: سارة ساروفيم
العمل الفني: أصداء الضجة - الفنانة: سارة ساروفيم

كريم أسطفان يحاور راشيل ديدمان، وأرجونا نيومان ولورد سيلس

يبدأ البث بأمر من مصدر غير معروف، موجه إلى مستمع مقيّد: إبقَ ساكنًا. إنه صيف ٢٠٢٠ وأنا هذا المستمعُ المقيد، أذوب في الأصوات الآتية من سماعات الرأس، فيما أجلس على مكتبي، كما جلست لساعات وأسابيع وشهو، منذ انتشار فيروس كورونا،  وضعه الكثيرين في العالم تحت الحَجْر. أنتَ على وشك الدخول في حجرة التصوير بالرنين المغناطيسي، يستمر الصوت، مما يزيد من شعورك بالأسر، وبالخوف من تشخيصٍ مروّع. هذا البث ليس عن جائحة كورونا، لكنّ له القدرة مع ذلك، على التحدث في هذه اللحظة بالصفات الفريدة لصوت الراديو: مخاطبًا العالم مباشرةً كما لو أن الصوت يأتي منَ العدم. يستجوبك الصوت ويدخلك لتندمج في السياق السمعي.

“راديو إرث هولد ٠٠١: الصوت الكولونيالي” (Radio Earth Hold 001: The Colonial Voice) مقالٌ إذاعي ثاقب مدته ثلاث وثلاثون دقيقة، أُنتج بالتعاون مع راشيل ديدمان وأرجونا نيومان ولورد سيليس لبينالي قلنديا في ٢٠١٨. يستكشف راديو إرث هولد، مواضيع تشمل تاريخ الراديو في فلسطين المحتلة، وحماية مياه السكان الأصليين في في ستاندينغ روك، وتجارب الولادة والرحم، والطرق التي تتكوِّن الذاتية فيها عبر الصوت. إن ربط هذه الموضوعات المتنوعة ببعضها، هو استقصاء للتداعيات الفلسفية والسياسية لما أسميته أعلاه  بـ”صوت الراديو”، ولكنّ هذا الصوت هو في الواقع ظاهرة أكثر عمومية وترتّبية، ظاهرة الصوت الأكوسماتي، الصوت غير المرئي، والمجهول المصدر. بالنسبة لراديو إيرث هولد ، هذا هو صوت السلطة، وصوت إله التوراة والإنجيل، وصوت الاستعمار الاستيطاني والقوة الأبوية. نجد في هذا الصوت نوعًا من التناظرية الصوتية،  وتمهيدًا سياسيًا للـ”بانوبتيكون”. إلا أن الصوت الأكوسماتي، هذا يحمل كذلك، إمكانات بيئية ومجالات لمساواة أوسع أيضًا، يتجلى ذلك في التجربة الحسية المترابطة والمتكاملة بين الأم والطفل، أو في صدى الكواكب، أو ما يعرف بالراديو الطبيعي (وهو الترددات المنخفضة الناتجة عن الاضطرابات داخل الغلاف الجوي للأرض). تُختتم الحلقة الأولى، المعنونة بـ”الصوت الكولونيالي”، بتحدٍ يبعث على الأمل، داعيًا إيانا لمواءمة أنفسنا مع حقيقةٍ صوتيةٍ مفادها أنه عبر مختلف الأنواع والمقاييس، ولسد الفجوة بين الموضوعات والأشياء، “تستمرّ الأجساد بالبثّ”.

تحدثتُ مؤخرًا مع مؤسسي راديو إرث هولد حول موضوعات “الصوت الكولونيالي”، سائلًا أياهمًا أن يفسروا بشكل أعمق، تحليلهم السياسي للصوت الأكوسماتي. أعرض هنا نص المقابلة التي أجريناها عبر تطبيق زووم.

كريم اسطفان: بحثتم في “الصوت الكولونيالي” في مفاهيم مثل الأبوية والسلطة الإستعمارية بشكل كبير عبر تتبعكم لتاريخ الراديو في فلسطين، منذ الانتداب البريطاني، وشركة الإذاعة الفلسطينية، إلى المؤسسة الإذاعية في فلسطين ما بعد أوسلو. كيف بحثتم في التواريخ السياسية والإجتماعية للراديو والصوت، نسبةً لاهتماماتكم وعملكم المختلف في التقييم والكتابة؟ وكيف شكّلت العوائق الموجودة في نطاق البث الفلسطيني حسّكم السياسي حول إمكانيات الراديو؟

راديو إرث هولد: بدأنا ندخل عالم الراديو عندما كانت راشيل تعمل في بيرزيت، على تقييم معرض للمتحف الفلسطيني حول التطريز، والفساتين والأقمشة الفلسطينية. حوى هذا المعرض غرضًا فيه شيء من الغرابة، كان على هيئة غطاء قماشيّ صغيرة مطرّزة. أخبر صاحب هذه العلبة راشيل، بأنه كان غطاء لراديو ترانزيستور، كان يحمله راعٍ في الحقول في الثلاثينات أو الأربعينات من القرن الماضي، بينما كان يرعى أغنامه. لعلّ امرأة الراعي، أو قريبة له، كانت قد خيّطت هذه الغطاء الجميل، وأنه وُضع في المعرض في القسم الذي يظهر علاقة الرجال بالتطريز.

كنا قد ناقشنا، نحن الثلاثة مسائل التضامن الدولي، والموروثات الاستعمارية، وفلسطين، والأصالة منذ أن التقينا لأول مرة في برنامج فضاء أشغال داخلية في أشكال ألوان بين عامي ٢٠١٣ و ٢٠١٤. تشاركنا عندئذٍ، اهتمامنا بالصوت وسياسات الاستماع. وجدنا لذلك ضرورةً لإجراء مزيد من البحث عن السياق التاريخي لغطاء الراديو التي صادفته راشيل.

عندما بدأنا نتتبع تاريخ الراديو في فلسطين، وجدنا أن أصوله الاستعمارية تخفي مظاهرًا لبدايات التحكم في الاتصالات والتواصل، كجزء من البنية التحتية للاحتلال. بدأت الإذاعة في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني ، وكانت في وقتها أشبه بامتداد لهيئة الإذاعة البريطانية. تم تقسيم بثّها في ذلك الوقت، إلى اللغات العربية والإنجليزية والعبرية، وتم تحديد محتواها من قبل الأيديولوجية الاستعمارية. لم يكن في الإذاعة مكان للسياسة ، بل خدمت بشكل أكبر كوسيط لإعلام وترفيه المهاجرين البريطانيين والمستوطنين اليهود، وتثقيف بعض “الفقراء العرب”.

ظهرت إذاعات مقرصنة على الفور رداً على الإذاعة المدارة عبر الإستعمار، من الجانبين الفلسطيني والصهيوني على حد سواء. تندر المواد التي بثّت عبر الإذاعات الفلسطينية المقرنصة بشكل كبير، ويصعب الحصول عليها، إلى أنه من المرجح أن تكون هذه الإذاعات قد خدمت كأدوات تنظيم للعمال العرب والفلاحين خلال الثورة الكبرى بين أعوام ١٩٣٦-١٩٣٩.  أصبحت الإذاعة الفلسطينية بعد النكبة إذاعة لامركزية، ثم انتقلت إلى الأردن. استمع الفلسطينيون أكثر إلى الراديو من بيروت والقاهرة وغيرها من المدن العربية.

استمر استخدام الراديو كأداة للمقاومة، فكان الراديو حاضرًا خلال الانتفاضة الأولى، في الوقت الذي كان على الفلسطينيين أن ينتظروا فيه قرابة السبع سنوات لكي تقوم شركة الهاتف الإسرائيلية بتركيب خطوط هواتف لهم في الضفة الغربية. تستمر اليوم هندسة احتلال الاتصالات السلكية واللاسلكية وتستمر مقاومتها بطرق مختلفة. منحت اتفاقيات أوسلو الفلسطينيين الحق في وكالة اتصالات، لكن بنيتها التحتية وُضعت تحت السيطرة الإسرائيلية. وقد أعاقت عوامل عدة الإتصالات لدى الفلسطينيين، ومنها الافتقار إلى تقنية الجيل الثالث 3G في الضفة الغربية حتى عام ٢٠١٨، واستمرار تدمير المحطات الإذاعية وأبراج الهواتف الفلسطينية. وجد الفلسطينيون على الرغم من ذلك، طرقًا إبداعية للتغلب على هذه العوائق ولا يزال الراديو ، نظرًا لبساطته التقنية، أداة أساسية تحمل إمكانيات الاتصال على مستوى بعيد المدى.

ك.أ: تُقابَل المقاومة الثقافية الفلسطينية، سواء عبر الراديو أو غيره ، بقمع شديد عمومًا. يذكرني حديثنا بما كتبه فرانتس فانون، موضحًا كيف كانت السلطات الفرنسية تراقب ترددات وتشوّش بث إذاعة “صوت الجزائر الحرة المكافحة” خلال الثورة الجزائرية، مما أدى إلى حالةٍ أطلِق عليها “حرب الموجات الصوتية”. هل يمكنك التحدث عن الطرق التي حدّت بها إسرائيل من إمكانيات الفلسطينيين لبناء شبكة إعلام وطنية في غياب الدولة؟ هل بدأت حرب صوتية مماثلة في فلسطين في السنوات الأخيرة؟

ر.إ.ه: ثمّة أدلة كثيرة على التشويش والتعطيل والجهود المستمرة لتقويض ومنع حريات وحقوق الاتصالات الفلسطينية. قمنا في الصوت الكولونيالي بأخذ عينات من أصوات مداهمات جيش الدفاع الإسرائيلي وتدمير محطات البث الفلسطينية وإنزال أبراج الراديو. نعلم أيضًا بأن الجيش الإسرائيلي يتنصّت باستمرار على خطوط الهاتف، فيما يستمر بعمليات الهدم الغير القانونية للمنازل في غزة. في العادة، يتصّل الجيش الإسرائيلي بالفلسطينين معلمًا إياهم بوجوب إخلاء منزلهم، ثم يرمي فوق سطح البيت قنبلة صغيرة تسمّى بـ”طرقة السقف” وهي بمثابة الإنذار الأخير لإخلاء المنزل قبل تدميره بالكامل. يقع هذا الإتصال، في بنية القوّة التي تسيطر على التواصل وبناه التحتية، ويزيد في إحساس الفلسطينيين الدائم بأنهم مراقبون، وأنهم عرضة للتنسط والتجسس على دوام، وقد انتقل هذا الإحساس إلى لبنان، حيث حاولت إسرائيل اختراق شبكة المنار التابعة لحزب الله كما وحاولت التنصت على هواتف الناس.

نجد بأن المثال الجزائري مثال رائع. تصف الكاتبة والقيّمة الفنّية ياسمينة ريجاد في عملها حول استخدام الراديو خلال حركات التحرير الجزائرية ، طريقة الإستماع للراديو من داخل المنزل، قرب الموقدة، والعلاقة الحميمة التي تنشأ مع الإذاعة داخل مجتمعها. تصبح مشاعر الشراكة والقرابة التي ينتجها الراديو، في جميع أنحاء العالم ، مشحونة بشكل خاص في سياقات المقاومة.

ك.أ: يتكرر مفهوم الجسد كأداة بثّ في الصوت الكولونيالي. أريد أن أتحدث عن العلاقة بين الراديو والتجسّد، كما تظهر في بحثكم. ما الذي يمكن أن يكشفه الصوت عن أجسادنا، والعلاقات المتبادلة والروابط التي لا تستطيع الحواس البشرية الأخرى الكشف عنها؟ وما هو القصد خلف مفهومي “تردد بدون سبب” أو “صدى بدون مصدر” ، والذي تصفونه عبر الحلقة.  أريد أن نتحدّث أكثر عن تجربة الطفل في الرحم التي ذُكرت أيضًا.

ر. إ. ه: قد لا يكون ما سنقوله  جوابًا مباشرًا على أسئلتك، لكننا أصبحنا مهتمين جدًا بالراديو الطبيعي، وهي ظاهرة يتردد فيها صدى أصوات الرعد من جانب واحد من الكوكب ، وترتد على طبقة الأيونوسفير، ثم يتم التقاطها على خطوط الهاتف باعتبارها بصمة صوتيّة مميز. يعمل الراديو الطبيعي بشكل صوتي بحتٍ بمعنى ما، لاستحالة تعقب مصدر الرعد. أحببنا في هذه الفكرة حقيقة أن يكون صوت الرعد بداية للاتصالات الهاتفية،  في الصوت الذي نسمعه عند التقاط سماعة الهاتف. قبل الألياف الضوئية ، كانت جميع الاتصالات غارقة في هذه الأصوات الكوكبية التي تعبر نصفي الكرة الأرضية. في كل مرة كان ينطق فيها أحدهم بكلمات “أنا … أنا … أحبك …”، كانت كل الوقفات، المعلقة في الجو الصوتي للراديو الطبيعي، تُملأ عبر أصوات الرعد التي تردد من الفضاء الخارجي. إنه أمر حميمي، لكنّه شديد الاتساع  في نفس الوقت.

يأتي مفهوم “الصدى بدون سبب” من دراسة الفضاء الصوتي للأم والجنين. يسمع الجنين داخليًا وخارجيًا، وتكون هذه التجربة غالبًا، أولى التجارب الحسية لمعظم الثدييات. يتردد صدى الأصوات الخارجية لغناء الأم في الرحم مثلًا، وينسبه الجنين إلى الأم وإلى نفسه في ذات الوقت، فيما يشبه الإحساس بتعدد الذات، وينسبه أيضًا إلى جهة غريبة أو صوت أكوسماتي. أثناء بحثنا في هذه التجربة المدهشة والشاملة، أدركنا أن أحساسنا الأول بالذات يكون أكثر تعقيدًا، وأقل فردية من التفسيرات الكلاسيكية مثل مرحلة المرآة اللاكانية، والتي تنسب فصل الفرد عن الأم إلى وظيفة العينين. نفضل التأكيد على الوحشية في قول أننا جميعًا نبدأ جميعًا الحياة كأكثر من نفسنا، ولكن أقل من نفسين. ثمة في هذه التجربة شيء غريب على المفاهيم الغربية والفردية للولادة، وعن الممارسات الأصلية والراديكالية للقبالة. إن مفهوم الجماعة منذ الولادة، والذي يمتد على طول الحياة، هو مفهوم قديم يحظى باحترام عميق.

نلاحظ في تنظير الصوت الاستعماري أن قصة “سفر التكوين” ترخي بظلالها على تجربة الصوت لدى الجنين من خلال تمثيل صوت الله التوراتي، الذي يعتبر صوتًا أكوسماتيًا أيضًا، وكأنه يصدر من العلى، ومن المناصب الرفيعة، ثم يعاد نشره باعتباره صوت السلطة المتواجد في كلّ مكان، صوت لا يقبل الشك.

ربطًا بصوت الهاتف قبل سقوط القنبلة، ومكبر الصوت الذي لا يمكنّ الرد عليه ، والصوت البيروقراطي الذي لا يقودك أبدًا إلى إنسان، حاولنا إعادة الصوت الأكوسماتي إلى تعدده ، في بحثنا حول الأم والطفل، وفي بحثنا أيضًا حول الراديو الطبيعي الكوكبي.

ك.أ: كيف تختلف نظرية السلطة عندما نقاربها صوتيًّا؟ أفكر في الكيفيات التي يتم تصور القوة والمعرفة عبرها، وخاصة في الفكر الغربي، الذي يربط القوة دائمًا بالرؤية. تفترض النماذج التي تتمحور حول العين ارتباط الرؤية بالمعرفة الشاملة. يقال، أن نرى يعني أن نصدّق، ونتخيل سلطة الدولة من خلال نماذج مثل البانوبتيكون. منذ أفلاطون ، مُنحت الكلمة المكتوبة الأسبقية على الكلام المحكي…

ر.إ.ه: اعتبرت العيون المحور الرئيسي لمفاهيم مشروع التنوير. وكانت الشهادات والمراقبات البصرية وحدها تكفي لتثبيت الحقائق. نحن منخرطون في نقد تمحور فلسفة الاستعمار حول العين، إذ يشكل الصوت بالنسبة لنا، عنصرًا أكثر إثارة للاهتمام من البصر من حيث المقاومة. يهدف نقدنا للبصر إلى فتح مساحة للصوت، وطرح أسئلة تأملية حول كيفية فهم العالم بشكل مختلف إذا ما كان الصوت أكثر مركزية في نظرية المعرفة.

تجدر الإشارة أيضًا إلى أن الصوت حاسة غير اتجاهية، على عكس البصر، الذي يعتبر أكثر إحساس اتجاهيّة، ولهذا السبب يعتبر أشد الحواس افتراسًا. يملك البشر، عيون تصنّف بيولوجيًا في خانة عيون المفترس، وتختلف عن عيون الفريسة، الموجودة على جانب الرأس للسماح بمجال رؤية أوسع.

 ك.أ: ظهرت مجموعة من المبادرات الإذاعية المجتمعية عبر الإنترنت في فلسطين، ولبنان، وفي أماكن أخرى يجتازها بحثكم، – راديو الحارة مثلًا، وراديو الحي، وراديو الكرنتينا، وغيرها – منذ أن فرض الحجر بسبب جائحة كورونا. ما الإمكانيات التي تطرحها هذه المبادرات في هذه اللحظة من الأزمة العالمية؟

ر.إ.ه: أعاد الحجر إحياء اتصالنا اليومي بالراديو وبمحطاتٍ كتلك التي ذكرتها، والتي وجدنا فيها تجاربًا مهدئة تبعث على الراحة. مهما تقدّمت التكنولوجيا، يبقى فعل بث الموسيقى أو الأصوات أو أي محتوى صوتي آخر في الوقت الفعلي إلى مجتمع بعيد أو أكثر له فعل يحمل أثرًا جامعًا وواضحًا. تكون وحدك، لكنّك تشعر في نفس الوقت، على نطاق ما، كما لو كنت مع الآخرين يشبه ذلك الشعور الإحساس الذي يعطيه الرقص. ثمة شعور بالترددات يحصل لدى الجميع، في تجربة متزامنة وعميقة تحُس على جدران معدتك، ومعدة أشخاص آخرين،  ويتردد صداها بشكل جماعي.

تسنّ هذه المحطات عبر الإنترنت، حميمة أممية تجمع الناس من شتى أطراف العالم، وهي مثال آخر على الراديو الذي يعمل على مستويات متعددة.

يمكنكم سماع راديو إرث هولد ٠١: الصوت الكولونيالي على هذا الرابط:

https://soundcloud.com/user-854660269-405465536/radio-earth-hold-colonial-voice

إيزوتايب في موسكو

فلنأخذ بيانين بصريين للإحصاءات. الأول، هو لولب كيندلبرجر عام ١٩٣٣ الذي يتضح فيه الاتجاه التنازلي للتجارة العالمية ـ ويحيط الاقتصادات الوطنية في جدول ترابطي– شبكي (الصورة ١).

يحلل الجدول البيانات، التي جُمِعَت من خلال تقرير عصبة الأمم بين عامي ١٩٣٢ – ١٩٣٣، الذي تتبع الانحدار التنازلي للتجارة في بدء أزمة وول – ستريت للعام ١٩٢٩ نهاية المعيار الذهبي في قياس تبادل العملة.[1]

تَظهرُ دورات التجارة المحلية إذاً، مترابطةً ومُدارةً من القوى الاقتصادية الاقليمية إذ سُلّطَ الضوء على التجارة الاقليمية وهي في خضم انحدارها[2]. أما البيان الثاني فهو مجموعة من الرموز الدلالية تظهر الارتفاع التدريجي للاتحادات الاحتكارية والاسواق الاحتكارية في نفس المرحلة الزمنية، في الولايات المتحدة الاميركية في ألمانيا (الصورة ٢). نرى صفحة بعنوان: ” إمبريالية “، من ألبوم سوفياتي للعام ١٩٣٦ يُظهر الجداول البيانية، والخرائط التفصيلية، و البيانات التفسيرية، وهي مقتبسة من دراسة لـ لينين من العام ١٩١٧ تحت عنوان: ” امبريالية: ذروة مراحل الرأسمالية” (Imperialism: The Highest Stages of Capitalism).

ملأت مجموعة من المصممين المختصين في ” أسلوب فيينا ” الجديد، الصفحات بالصور الاشارية التي أظهرت عبر البيانات الاحصائية دلالات على حجم المصارف، ودورة صادرات الحديد. كان الهدف من تلك البيانات، هو إعطاء رؤية نقدية للاقتصاد الإقليمي المسيطر. أما لولب كيندلبرغر، فيظهر “كبيان، شبكي –  عنكبوتي” ، يحيط بالعالم ( مرتكزاً تقريباً على نيويورك )، وعلى جوانبه كاريكاتورات ج.ب مورغان، باسيل زاهاروف ، هنري ديتيردينغ ، و جون . د روكيفيلر. (الصورة ٣)

أُنتِجَ ” إمبريالية ” في إيزوتات (١٩٣١-١٩٤٠)، وهي مؤسسة مكرسة لتصدير ” طريقة فيينا “، الشائع تسميتها بـ”إيزوتايب”، إلى الاتحاد السوفياتي. وجهَ السوسيولوجي الفييني وقائد دائرة فيينا، أوتو نوراث (١٨٨٢-١٩٤٥)، في العشرينات، المتحف التقدمي لفيينا، إلى تطوير معايير تهدف إلى إيصال البيانات الاحصائية المعقدة إلى الطبقة العاملة من زوار المتحف. عمل أوتو نوراث بشكل مقرب مع العالمة ماري رايدمايستر (١٨٩٨– ١٩٨٦، لاحقاً ماري نوراث ) ، و مع فريق من السوسيولوجيين و المصممين، لتطوير “إيزوتيب” بالتوازي مع التخطيط المدني المحلي التقدمي، ومناهج الإدماج الاجتماعي .

إعتبر كل من، نوراث و رايدمايستر، أن الادماج الاجتماعي غير مجدٍ، إلا إذا تم فهمه من خلال مكوناته، لذلك عاملا البيانات الاجتماعية والعلمية والاقتصادية وكأنها حقوق عامة، وانطلقا من فكرة تفيد بأن هذه البيانات، ومهما كانت معقدة، يجب ترجمتها إلى شكل يسهل إدراكه، وتحويلها إلى “صورة – تعليمية”.

يشرحُ رادمايستر في مقال بحثي بعنوان ” المتحول” أن تلك المهمة احتاجت إلى فريق عمل من المتخصصين المتدربين القادرين على قراءة وتحليل وتحويل البيانات من أي مجال. قرر الفريق، بأن الوضوح، يحتاج إلى توحيد المعايير، لذلك حدد كل من نوراث ورايدمايستر أن الزمن يوضع على الجهة العمودية، أما الكم – فيوضع على الجهة الافقية. يمثل العدد الأكبر من الرموز كمًا أكبرَ من المرجعية المرموز لها. تُنقش الرموز الشكلية، دون استخدام المنظور التصميمي، وتستنبط ثلاثية الأبعاد من خلال الرسم المتوازي القياسات. إتسم الايزوتايببمظهره المتفرد، تحت توجيه من جيرد اَرنتز، وهو عضو مهم في جماعة “تقدميي كولون” (Cologne Progressives) . ترجم اَرنتز، مطبوعاته المحفورة على ألواح خشبيّة، إلى قاموس من 4000 تصميم (عامل، مصنع، فحم). تميزُ الأشكال البشرية، دون تحديد الوجوه، عبر الجنس، والعمر والجنسية ونوع العمل والوظيفة، وقد فُرّقت باستخدام العلامات المتميزة البسيطة. كما ووحد في هذا القاموس، صور- إشارية تفرّق بين “حذاء صنعته الالة “و” حذاء صُنع بالعمل اليدوي “.

إن وصف طريقة فيينا على أنها “لغة” يُبرز محدوديتها في الوصف الكمي للبيانات. يهدف إيزوتايب، وفقًا لنوراث إلى دعم اللغات الباقية، وتكمن قوته في قدرته على تحويل البيانات العملية ووصف الحقائق التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، ليصبح نموذجًا للتواصل، خاليًا من التحليل النفسي، وكل ما هو غير مادي. يستطيع مصممٌ متمرس، عبر طريقة فيينا تحويل العوامل والمسارات المادية إلى أشكال لا -خطية ولا محدودة. (قال نوراث مرة لرودولف كارناب: أنا لا أقبل السيمانطيقيا[3] .

كان توجه فريق العمل، يرتكز على فكرة بناء الذات والتدريب وتطوير موقع الطبقة العاملة. دافع نوراث عن الملكية الجماعية واَمن في قدرة البيئة البناءة على تكوين شكل – للحياة، فطرح أسئلة حول جدوى الخطط السكنية، إذا كان السكان لا يفهمونها، ولا يمكنهم مناقشة الأفكار التي بنيت عليها. [4]

قام فريق من علماء الاجتماع السود و مجموعة W.E.B  دو بوا ، بتقديم أعمال إشارية في المعرض الدولي في باريس لعام ١٩٠٠. فقدموا ٦٠ مجسماً (تلوينات مائية، كولاج، رسم مائي)، وخرائط، جداول، وألواح من البيانات العملية، كلّها تصف القصة المعقدة لحياة السود في أميركا، وفشل سياسات إعادة – البناء. إختبر دو بوا، وزملائه، الأشكال الجيومترية التي من الممكن أن تأخذها البيانات، بدلاً من تقديم طريقة اعتيادية [5]. كان من غير المفاجئ أن يعاين نوراث عاين أعمال دو بوا، وذلك لأن كل منهما، كان مدفوعًا بالثقافة بشكل كبير، وبالتشكيك في قدرة الصور الفوتوغرافية على نقل الحقائق الاجتماعية.

سافر نوراث، ورايدمايستر، واَرنتز، إلى موسكو في العام ١٩٣١ لافتتاح إيزوتات، أو رابطة الاتحادات للاحصاءات الصورية – الاشارية للاقتصاد والبناء السوفياتي”[6]، بعد سنوات من التواصل مع: “رابطة الاتحادات العامة للعلاقات الثقافية (VOKS). وصلوا في الفترة التي أعد فيها ستالين خطة الخمس سنوات ( ١٩٢٨-١٩٣٢)،  وفي خضم التوجه الصناعي التأميمي، والمجاعة المنتشرة، والجدالات حول توجهات الفن والهندسة السوفياتية. أغلقت الحكومة كلية التصميم “فخوتيماس” في العام ١٩٣٠، وكانت قريباً ستستبدل جميع التجمعات الفنية بتجمعات رسمية. قابل نوراث ومن معه الفنان الطليعي اَل ليستزكي في معرض Pressa في العام ١٩٢٨، وكان لديهم ما يكفي من الوقت، للتعاون مع أعضاء النخبة، الذين كان كثير منهم قد أصبح خارج الخدمة الرسمية.

سبق مفهوم الإشارة – الصورية للإحصاءات، الايزوتايب في الاتحاد السوفياتي، حيث كانت صناعة الطباعة تنمو بشكل كبير في العشرينات، وقد طور ذلك التجارب في مجالات الاعلانات والكتب والتصاميم والتعليم، والملصقات والمجلات “. طوَّر فنانون نخبيون، من بينهم فارفارا ستيبانوفا، اَلكسندر رودشينكو، وليسيستزكي، مجموعة من تقنيات الاعلام التفاعلي، في إطار الصفحة المطبوعة المسطحة. اقتبست المصممة ليديا نوموفا (١٩٠٢ – ١٩٨٦)، نصين للمؤرخ العمالي الروسي س. سوبورونسكيفي ملصقين تعليميين تخللتهما، الصور الفوتوغرافية والنصوص والبيانات الاحصائية على شكل جداول ورسوم بيانية ومخططات بيانية أخرى. بالتوازي مع التنظيم الطولي للنص والتاريخ في كتب “سوروبونسكي “، استعمل كتاب “تاريخ الحركة النقابية للتجارة الدولية” (History of the International Trade Union Movement) لنوموفا – المنشور عام ١٩٢٦والذي تبناه متحف الفنون المعاصرة مؤخرًا-  التصوير – الالصاقي(الكولاج) ، والتقطيع ( المونتاج) ، لمقابلة التدوينات البصرية المختلفة[7]. اتجهت “نوموفا ” بهذا قدماً في ملصقها للعام ١٩٢٩ الذي أنجزته مع المهندسة والمصممة الينا سيمينوفا، والذي يوجه العمال أن يتتبعوا بأنفسهم أرقام مصانعهم، وهي مهمة إدارية بامتياز.

كان موضوع إيزوتات الأساسي، هو خطط السنوات الخمس الاولى والثانية، مع تضمين الملصقات التفاعلية للاستعمال المحلي، والكتب للتصدير إلى الخارج. تتبعت عناوين مثل ” الاشتراكية قيد الانشاء”  (Socialism under Construction)  ١٩٣٣، الزيادة في أنظمة الاستشفاء العمالية، والاسماك المحفوظة، ودور السينما. وتوجهت الطريقة بشكل خاص، إلى حملات محو الأمية. قامت إيزوتات، في العام ١٩٣٨بتعيين رودشينكو وستيبانوفا، لتصميم، كتاب – نسخي كبير للتعريف بطموح المدينة في إعادة – البناء.

تصف إيزوتايب في “موسكو قيد – البناء” (Moscow Under Reconstruction) التخطيط المدني، كدمج مكاني وزمني ـ من الاسكان، والتعليم، للصحة، والمواصلات، والترفيه، حيث تبدو موسكو كنموذج لباقي المدن الاشتراكية.

قام ممثلين عن فيينا بتدريب عمال إيزوتات، إلا أنهم ابتعدوا عن طريقة فيينا بأساليب مختلفة. قدمت الاشكال – الصورية البشرية بوجوه، وبخلفيات منظورية، تأثراً بتغيرات التمثلات الواقعية الاشتراكية. قدم العمّال، أثناء تتبع الخطط الخماسية الاولى والثانية، أرقامًا غير محققة على أنها إنجازات محققة. وساهم عملهم في تغطية التجميع القسري، ومعسكرات العمال.

لا تقدم، هذه الاصدارات وحدها، صورة كاملة للدور الريادي للإحصاءات في التخطيط السوفياتي، بما في ذلك إعادة رسم الحدود، وتلاعب الفئات الوطنية كالطاجيك في اَسيا الوسطى السوفياتية.[8]

 لم تندمج إيزوتات أيضاً، ولأسباب ما زالت غير واضحة، في التنظيم المستمر “للكومينترن” المتعاون مع – الحركات الضد – استعمارية، و الحركات الشيوعية في اَسيا ، وأفريقيا ، وأميركا اللاتينية، والتي تضاءلت في الثلاثينات، واستمرت إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية .

كان أكبرالفروقات التي فصلت بين إيزوتات وبين طريقة فيينا، يكمن في جعل العمال، ينتجون جداولهم الخاصة. إذ إعتبر نوراث ورادامايستر، على الرغم من التزامهما بال”بيلدونغ” (التنشئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية)، أن طريقة فيينا هي للاختصاصيين الفنيين فقط. بالتوازي مع ذلك، اعتبر إيفان ايفانيتسكي، المصمم الرئيسي في ايزوتات، أن المهارة في الطريقة تكمن أساساً في تطويرها ضمن سياق إجتماعي. واقترح، أنه عند تبسيط الطريقة، يصبح باستطاعة أي عامل أن يطلب رسوماً موحدة، وملصقات جاهزة، أو أختام.[9]

ربط إيفانيتسكي أيضاً إيزوتيب مع تجمعات الفنانين الهواة الذين هُمشوا في تاريخ الفن السوفياتي بين العمال، كطريقة لتحفيز الإحصاءات كممارسة جماعية، ومشاركة جماعية في الإنتاج التاريخي.

يكتب نوراث، في عرض مقدّم لمتحف غيسيلشافت : “من المهم جداً، عرض مكان الارض كاملاً بتغييرات أشكاله الاقتصادية في الأجزاء المختلفة، لإظهار كيفية سيطرة النظام الرأسمالي تدريجياً على العالم وقمعه لباقي الأشكال الاقتصادية”.

ليس الهدف من إظهار الارقام، تفسير واقع، أو أزمة ما (وباء، أو انهيار اقتصادي). إنما، يكمن هدفها في جعل المراقب أكثر وعياً، بحالته التاريخية ومكانيته. يرى هذا المراقب الذي تخّيله نوراث البناء الرأسمالي في كليّة بنائه التاريخي، وفي كليّة بنائه العالمي. تحفز هذه الرؤية المراقب أن يتوقع ويصول إلى استنتاجاته الخاصة، في بحثه عن بدائل للانظمة العالمية.

تجابه اقتراح نوراث مع دراسات الاقتصاد الرأسمالي العالمي، التي ظهرت في شكلها المادي في جداول صفحات التقارير الاقتصادية والدورات التجارية للمؤسسات الدولية الحديثة. كانت تلك شبكات من تجميع البيانات جُمعت، لتغطية تحجيم النظام السياسي لـلإمبراطورية. [10]

اقترح المؤرخ كوين سلوبوديان مؤخرًا أن النيوليبرالية في تلك المرحلة، “نشأت عبر مشاريع ملاحظة العالم ككل، وعبر تجميع الإحصاءات العالمية، والدراسات التقريرية للدورات التجارية ” [11] . يمكننا إذًا أن نستنتج أيضًا، أن الوصولَ إلى هذه البيانات، لا يتوافر إلا للمتخصصين والمدراء، وليس عامل المنجم، أو لساكن مشاريع البنى السكنية، أو العاطل عن العمل الذي يسعى لفهم مكانته بشكل أكبر.

اختلف نوراث مع فريديريك حايك، ولودفيغ فون ميسز، في فترة ما بين الحربين، بشكل متوّقع، 

واستنتج “سلوبوديان”، في نهاية العام ١٩٣٠، أن النيو-ليبراليين، انقلبوا على فكرة أن الاقتصاد العالمي يمكن أن يكون مرئياً من خلال الارقام.

ظهرت طريقة فيينا بالتوازي مع تشكل النيو- ليبرالية، وكانت في فكرها، طريقةً فكريةً اقليميّة، لا عالمية. 

أما إيزوتيك فوعدت أولئك الذين تابعوا الإعلام المطبوع، في مجلات تنظيم العمال في مسار عالمي، بنظام محدد للتواصل يهدف إلى تفسير أو فهم مادي للعالم. ظهرت ايزوتوب أيضًا في مجلات يسارية في الولايات المتحدة الأميركية، في مرحلة الصراع الطبقي المسلح، والحراك الاجتماعي، والتجمعات المرتبطة بالجماعات اليسارية النخبوية.

عبر هذه الرؤية، يمكننا وضع إيزوتوب بمحاذاة مراحل أخرى في تاريخ التصميم الطباعي التقدمّي، كما في (ورشة عمل “تصميم لشعب”)[12] ، الذي جرى في العام ١٩٧٣ في المكسيك، وأيضاً، في صحف تجمعات (الحرب العالمية الثالثة)[13].

كان هدفي، من تقديم هذه المرحلة في تاريخ ” التصميم الغرافيكي “، في سياق ” المشتق”، هو اقتراح مفاده أن تأريخ الإحصاءات، كمنهج لصناعة- العالم، يمكن أن يساعدنا في التفاعل أكثر مع البيانات المستخدمة لفهم الازمات والانهيارات.

ترجمة: حسين ناصر الدين


[1]رسم هذا اللولب بدايةً أوسكار مورغنسترن في ١٩٣٣ لكي يظهر انحدار التبادل التجاري في النمسا، شم نشره ج.ب كوندبيف. أنظر كوين سلوبوديان٬  Globalists: The End of Empire and the Birth of Neoliberalism (جامعة كمبريدج، مطبعة جامعة هارفارد، ٢٠١٨) ٥٩-٦٢.

[2] كما كتبت سوزان بوك-مورس في نصها المرجعي حول رسم الرأسمالية وخرائط الإقتصاد، وعن اكتشافها واختراعها كعمليات تعدت كونها خرائطًا فقط. “لأن الإقتصاد لا يولد كأداة تجريبية، عليه أن يُمر بمراحل قبل أت يراه الإنسان، وتكمن هذه المراحل في الرسم وصناعة الخرائط”. انظر بوك-مورس، “Envisioning Capital: Political Economy on Display,” Critical Inquiry  ٢:١٢ (شتاء ١٩٩٦): ٤٣٩ -٤٤٠

[3] كارل مولر “Neurath’s Theory of Pictorial-Statistical Representation,” في Rediscovering the Forgotten Vienna Circle (دودريتش، ١٩٩١)، ٢٣٢.

[4] إيفا بلو “Isotype and Architecture in Red Vienna: The Modern Projects of Otto Neurath and Josef Frank,” في Austrian Studies ١٤ (٢٠٠٦), ٢٣٣.

[5] في تقديمهما لأولى المنشورات التي تتضمن هذه الصور، كتبت ويتنا باتيست وبريت روسيرت بأن عم دو بواس قد يدفع الناس اليوم للتفكير ب “قدرتنا على أعادة تخيل البيانات كأداة أحصائية وكأدواة رفض في حركة بلاك لايفز ماتر” W.E.B. Du Bois’s Data Portraits: Visualizing Black America (مطبعة برينستون للعمارة، ٢٠١٨)، ٢٢.

[6] أُعيد هيكل إزوستات لكي تبتعد عن روابتها مع فييتا في ١٩٣٤ ثم أغلقت في ١٩٤٠. لتاريخ مفصل راجع إما مينز “Picturing Soviet Progress: Izostat 1931-4,” in Isotype: Design and Contexts, 1925-1971 (لندن: مطبعة هايفن، ٢٠١٣): ٢٥٧ -٨١.

[7] في تحليله عن النموذج، يكتب ديفين فور أن ملصقات نوموفا ، تقترح فهم أعمال الثورة السياسية – تأخرها، وتقدمها، وتراجعاتها، عبر طريقة أو منهج تفكير مكاني ومعاصر. انظر “Lydia Naumova,” في جودي هومبتمان وادران سودهالتر ادس. Engineer, Agitator, Constructor (نيو يورك: متحف الفن الحديث Moma، ٢٠٢٠)، ٩٧.

[8] أديب خالد Making Uzbekistan (مطبعة جامعة كورنل، ٢٠١٥) ٢٩٧-٣٠٢.  

[9] إيفان إيفانيتسكي  Izobratitel’naia statistika i venskii metod (موسكو، أوغيز-إزوغيز، ١٩٣٢)، ٤٣

[10] سلوبوديان، Globalists، ٦٨.

[11] المصدر نفسه، ٥٨-٥٧.

[12] تستعمل البيانات البصرية الإحصائية أيضًا في مجال الصحة العامة وغيرها من المبادرات التعليمية التي ترتبط بالعمل التنظيمي اليساري. وفي العديد من الحالات، استعمل المصممون طريقة فيينا من دون المحافظة على معاييرها، أو استخدام تحفيزها للفكر المنطقي. 

[13]للمزيد أنظر كتاب روسن دجاغولوف الممتاز، From Internationalism to Postcolonialism ( مونتريال: مطبعة جامعة مكغيل-كوينز، ٢٠٢٠)

مصادفة “علوشي”

Photo taken by Tariq Keblaoui on October 18, 2019 in Riad Al Solh, Beirut, Lebanon.

ترجمة: اياد ريا

في كتابه «في ظلال الطائفية: القانون والشيعية وصناعة لبنان الحديث»، وهو بحث أكاديمي في مأسسة الاختلاف الشيعي في لبنان، يقتبس ماكس فايس مقطع من مقابلة الناقد السينمائي اللبناني محمد سويد للمخرج السوري الراحل عمر أميرالاي حيث يستذكر أميرالاي صورة من طفولته لمدرب دببة يجول في جونية، وهي المدينة الساحلية شمال بيروت:

وحين أصر سويد على محادثه الإسهاب، قال أميرالاي: «أعتقد أنه كان متوالياً، أو ربما كان غجرياً». وعندما سأله كيف وصل إلى هذه الخلاصة، أجاب: «قيل لنا أن المتاولة يعرضون الحيوانات ويربطون ماعزهم بالأجراس». ثم سأل الناقد: «هل كان هنالك من إصرار على تسمية الشيعة بالمتاولة؟» «كانت عادة شائعة في ذلك الوقت» أجاب أميرالاي. «لم يكن للمتاولي أي دلالة دينية في خلفية طائفية. في اللغة الشعبية كان المتوالي يدل على الناس الذي يعيشون في البؤس. لم أكن أعلم أن في لبنان شيعة قبل بروز موسى الصدر. في الحقيقة، لوقت طويل، لم أكن حتى أعرف أن هنالك سنّة وشيعة في الإسلام»[1]

محفورة في ذاكرة أميرالاي تباين صورة المتوالي الذي يقوم بجولة مع دبٍ وحضرية جونية الزاهية، وتجاورٌ الحضارة والجلافة.[2] قد يحمل التركيب الدلالي لـتسمية «المتوالي» في قصة المخرج تفسيرات مختلفة، وهو يُلمح إلى أسى وبؤس وظلمة الجماعات الشيعية اللبنانية قبل تعبئتهم السياسية والأيديولوجية تحت راية موسى الصدر وحركة أمل. تعبّر قصة «المتوالي» التي يفتتح فايس دراسته بها بوضوح عن المكانة التي وجد الشيعة أنفسهم فيها بعد قيام دولة لبنان الكبير عام ١٩٢٠. بالتالي، إذا ما وضعنا «المتوالي» في سياقه التاريخي، وجدنا الدّال خير تعبير عن الحرمان السياسي والاقتصادي للجماعات الشيعية في لبنان الجنوبيّ وبقاعه.

فقدت الصورة النمطية القاتمة لـ«المتوالي» منذ ذلك الحين قوّتها الدلالية، واستُبدلت بتصورات ترشح فائض قوّة. نصادف أحداها خلال انتفاضة تشرين: شخصية «علوشي». وهي شخصية مفعمة بتهكّم ذات طابع طبقي، يستثقل المرء إعادة كتابتها لسماجتها. مثل «المتوالي»، سيدلّ التركيب الدلالي لـ«علوشي» على أنه أحد أعراض استمرارية ورسوخ هيمنة الخطاب الطائفي في لبنان، رغم كونه منبثقاً من واقع مادي مختلف إلى حد كبير. كما وسيكشف عن متخيَّل صنعه المتظاهرون غير القادرين على الإفلات من العلاقات الطائفية التي خرجوا سعياً إلى تدميرها.

دشّن انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية عام ٢٠١٦ «العهد»، منهياً احدى عشرة سنة من سياسة المحاور الدائرة بين تيّاريَن متنافسَين، أي تحالفا الـ٨ والـ١٤ من آذار. أمسك خلاله حزب الله وحليفه العوني بالسلطة، وهما مهندسي وعرابَي العهد، وكلاهما كانا لسخرية القدر خارج اتفاق الطائف، وكُرِّست تالياً ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة». يمثّل «العهد» عارضاً لأزمة الجمهورية الثانية، أجاد المشاركة في انتاج الأزمات المتكررة والمتعددة، منها البيئي والاقتصادي والسياسي. تكثّفت هذه الأزمات في أول أسبوعين من شهر تشرين الأول ٢٠١٩ فخرجت مظاهرات على امتداد البلد لم يشهدها لبنان من قبل.

عقب سوء الإدارة الباهر للحد من انتشار الحرائق في غابات الشوف، قام رئيس الوزراء حينها سعد الحريري وحكومته بنكز الجراح بإعلانه عن «ورقة اصلاحية» هي في حقيقتها خطّة إجراءات تقشفية، أقلها خزيا فرض ضريبة على تطبيقات المكالمات الهاتفية عبر «الواتساب». عشية السابع عشر من تشرين الأول الماضي، تدفق الآلاف إلى الشارع للاحتجاج على ما عُرف بالضريبة على «الواتساب». تزايدت الاحتجاجات العفوية وانتشرت من رياض الصلح وسط بيروت إلى مختلف المناطق اللبنانية. وسرعان ما خفتت مركزية العاصمة اللبنانية فيما أضحت مدن أخرى منها طرابلس مراكز للانتفاضة. بدت بيروت واحدة من بين عدة مدن غاضبة، وربما لم تكن أهمها. وشاركت مدن منها صور والنبطية اللتين طالما اعتُبرتا معاقل حزبية طائفية.  في خضم ذلك، بدأت سيرورة ثورية بالظهور واضعةً نصب عينيها تجريد السياسة اللبنانية من طائفيتها. فضحت انتفاضة تشرين المنطلقة من تقاطع الأزمة الاقتصادية والكارثة البيئية اضمحلال العلاقة بين الأحزاب السياسية الحاكمة ومناصريها. والجدير بالذكر أنها المرة الأولى في تاريخ الجمهورية الثانية التي تنطلق فيها مظاهرات ضخمة لامركزية عابرة للطوائف والمناطق. بدت المظاهرات وكأنها على وشك تفكيك ماكينات الأحزاب الطائفية الاستقطابية التي بُنيت في مرحلة ما بعد تحالفي ٨ و١٤ آذار.

هكذا بدى المشهد، أقله، إلى أن أطل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في خطاب متلفز ليتطرق فيه الى الأحداث المستجدة، وهي إطلالة ضمن إطلالات عديدة سيقوم بها الأمين العام فيما بعد. وقد أتت الإطلالة في اليوم الثاني بُعيد كلمة الرئيس العون التي خاطب فيها الأمة. بدأ نصر الله خطابه بوعظ المتظاهرين المنتفضين ضمن ما أسماه «الحراك الشعبي» وختم خطابه بالتوجّه إلى «جمهور المقاومة» وحلفائه. بدأ نصر الله خطابه بالثناء على «العفويين الطيبين» من المتظاهرين، إلا أنه سرعان ما اتهم آخرين بأنهم ممولون ومنظمون من الخارج. وصف الانتفاضة بأنها تظاهرة الفقراء ليعود ويتّهم المتظاهرين بالتظاهر بتكليف من المتربصين السياسيين والأثرياء والسفارات الأجنبيّة المُمَوّلة. قال إن من حق الناس الاستمرار بالتظاهر، ولكن بأدب، ومن ثم منع السباب والشتيمة وتدمير الممتلكات والتصادم مع الجيش. سمح نصر الله للمهرجان بالقيام في عطلة نهاية الأسبوع فقط، وتعاطف مع قطع الطرقات إلا أنه في النهاية حرّمه أيضاً. أخيرا، توجّه الى «جمهور المقاومة» وطلب منهم الخروج من الشارع.

في ذاك النهار الواقع في ٢٥ تشرين الأول أخلى مناصرو «أمل» و«حزب الله» الساحات بالفعل. إلى ذلك، بعد ساعات من إطلالته المتلفزة الثانية والتي تطرق فيها للانتفاضة، وبصدفة سعيدة لنصر الله، هاجمت مجموعة من مناصري «الثنائي» المتظاهرين ودمّرت وأحرقت خيمهم. في بحر الدلائل الطائفية التي تنتظم بها بيروت، رسي المتظاهرون على جزيرة من ساحات وسط المدينة الخالية. في تلك اللحظة، وجد المتظاهرون أنفسهم محاطين بعنف المتظاهرين المضادين وشرطة مكافحة الشغب، بين شبّيحة معادية للثورة وجيش يقف حارساً لجثة «عهدٍ» مٌتحَلحِل. وهكذا، أصبح من الممكن لشعار الانتفاضة الرئيس «كلن يعني كلن» أن يتّسع ليشمل مناصري الثلاثية، وترسّخ تالياً الخطّ الفاصل الذي رسمه نصر الله بين المتظاهرين ومناصري حزب الله.

يشير التوظيف المُستَحدث من قبل انتفاضة تشرين لشعار «كلن يعني كلن» إلى ارتسام معالم جماعة سياسيّة لطالما نُظِّر لتشكُّلها. سارع المنظّرون الإشارة إلى ملامح تشكّل عقد اجتماعي جديد رافضٍ لإرث الحرب الأهلية السياسي ولمنطق الطائفية. فيه تنطلق العدالة والحياة الكريمة من حقوق الفرد بدل مرورها بوساطة الطائفة. على مستوى الفرد، يستتبع شعار «كلن يعني كلن» نقيضه وهو: «أنا لست واحدا منهم». عبر التبرؤ من الأوليغارشية الحاكمة من جهة والابتعاد عن الأحزاب السياسية الحاكمة وبالتالي عن مناصريها من جهة ثانية، يقوم المتظاهر بفعل «طرد كنسي» ذاتي. هذا الطرد الذاتي يتبعه بناء جماعة من المتظاهرين.

يقول الفيلسوف الإيطالي منظّراً في علم المناعة السياسية وفي علاقتها بتشكّل الجماعة، ما يلي:

لا تظهر المناعة بما هي مقولة مانعة إلا كنمط سلبي للجماعة. وعلى نحو مماثل، عندما يُنظر إليها في صورة انعكاسها في المرآة، تبدو الجماعة محصنة تماماً، منجذبة ومغمورة على شكل نقيضتها. باختصار، المناعة هي الحد الداخلي المتجاوز للجماعة والتي تطويها على نفسها في شكل تأسيسي ومانع في آن. تؤسس المناعة، أو تعيد تأسيس الجماعة، تحديداً من خلال نقضها.[3]

إذاً، ما يتم بناءه من خلال فعل اخراج الذات وطردها عن الأحزاب السياسية ومناصريها هو محاولة تشكيل جماعة من المتظاهرين مختلفة عن المناصرين والمندسين والشبّيحة الذين يهددون وحدة الجسم الثوري. إن الطرد الذاتي الذي هو نتيجة فعل تخيُّل جماعة جديدة من المتظاهرين يصوّر الآخر بصورة «علوشي» نقيض تصورها لذاتها. «علوشي»، وهو تصغير اسم علي امام الاثني عشرية الأول وصاحب الرسول، استخدمه المتظاهرون على نطاق واسع في خطابهم عبر وسائط الاعلام الاجتماعية، وتبنّاه حتى المتظاهرين المضادين. ومع أن «علوشي» لا يختزل كل أشكال التمثيل والتمثيل المعاكس، إلا أن المقصود منه الدلالة على المتظاهرين الشيعة الذين خرجوا من الشارع تلبية لدعوة نصر الله عقب خطابه الثاني. بعبارة أخرى، يشير «علوشي» إلى الشيعة الذكور المنتمين إلى طبقة معيّنة والمعادين لمشروع عاميّة تشرين الثوري.

كتصغير لـ«علي»، «علوشي» هو في المقام الأول صبياني مقارنة بنظيره المتظاهر، الذي «بلغ سن الرشد» السياسي إذا جاز التعبير. لمجرد انتماءه إلى الطائفة الشيعية يحظى «علوشي» بتغطية سياسية، ويمكنه بالتالي القيام بأعمال غير قانونية والاستمرار بالخروج عن القانون. هو عاطل عن العمل، ويقود موتسيكل، وبالتالي هو غارق في الجهل. يرميه خصمه بالجهل والخنوع، ولكن لا يعني ذلك أنه ليس لديه نزعة عنف ما يكشف عن تعصبه. إن عاد إلى الشارع، عاد بصفته مندسّاً ولذا وجب التعامل معه على أنه ذي وجهين. بطبيعة الحال هو أيضاً طائفي.

في مقال نشر على منصّة «درج»، يقوم كتّابه بتحويل «علوشي» إلى نموذج يُستخدم لتفسير الواقع الاجتماعي.[4] وهكذا تصبح سمات وأيدولوجيات الشيعة مجسدةً في «علوشي». يقوم المقال تالياً بجوهرة الجماعات الشيعية في محاولة لأرخنة انتماءاتهم السياسية ومن ثم يؤطّر الهيمنة (السياسية) الشيعية المعاصرة باعتبارها سمة أصيلة وداخلية للمجموعة. في نهاية المطاف يعيد هذا النمط من التفكير ترداد سردية أيديولوجيا البرجوازية اللبنانية كما تكلّم عنها مهدي عامل. على أن المقال يقع في الارتباك حين لا يجد سنداً لمزاعمه غير مهدي عامل:[5]

صاغ علوشي خطاباً مستمدّاً من إرث المجتمع القبائلي، «لولا تدخّل الحزب في سوريا لاغتصب داعش نساءنا». في هذه البيئة، حيث الحقيقة دينية فقط يذكرنا علوشي بأفضاله علينا وعلى أحوالنا الممتازة في بلاد تغرق بالديون والنفايات لكنها تتنفس كرامة وعنفواناً.[6]

من الناحية الخلقية، «علوشي» أدنى من نظرائه المتظاهرين الذين سمَت بهم الانتفاضة فوق العلاقات الطائفية، وهو غير قادر على الفرار من استنطاقه الأيديولوجي. مجسِّداً رعاع «مجتمع المقاومة»، تدلّ القوة المعطاة لهذه الشخصية على قوة «حزب الله»، الحزب الشيعي السياسي والميليشيا الأقوى في لبنان. في الوقت نفسه، هو شخصية أحاديّة تعبر عن وحدة مفترضة لـ«الثنائي الشيعي»، أي «أمل» و«حزب الله»، والذين يمسكان حالياً بالتمثيل الحصري للطائفة الشيعية في لبنان. يعبّر «علوشي» إذاً عن نزعة العنف للشيعية السياسية في لبنان، وعن رجعية سياسات «حزب الله»، وعن «اندماجهم غير المكتمل بالأمّة» للشيعة المكوّنين لدولة داخل الدولة، وعن نزعة الشيعة للعنف الموكّل دوما شفاء جرح كربلاء الأصيل.

بناء شخصية «علوشي» يدلّ على فعل تمايز مُبتَكَر وغير منفصل عن سيرورة فعل الطرد الذاتي بل وضروريٌّ له. يصبح هنا التصور الذاتي للمتظاهر دالة لصورة الآخر. في سعيه لرؤية نفسه نقيض للآخر، يرى النقيض فاسداً طائفياً متحزباً مأدلجاً وساقطاً أخلاقياً، فيما يرى نفسه صافياً وطنياً غير متحزب وخارج الأيديولوجيا وفاضل. فـ «علوشي» الذي «كان عصبها في أيامها الثلاثة الأولى» ان بتواجده الحاشد أو قطعه للطرقات وقيادته للمسيرات الدرّاجة هجر الانتفاضة بعد إشارة نصر الله له بذلك فبانت مناعته للثورة. هدد انسحاب المتظاهرين الشيعة في اليوم الثالث للانتفاضة بكسر المدّ الثوري، كما أعاق المتخيّل الثوري قيد الإنشاء، أي متخيّل جماعة الثوار في سيرورة تحررهم من الطائفية.

ولعل من المناسب القول انه من المحتّم أن يأخذ نقد الثوار لـ «حزب الله» المتعاظم القوة ولسياسته الرجعية شكل فعل «الأخرنة» – (othering). هذا الفعل مُحَياّ خطابي واضح لتشكّل المناعة السياسية. فقد كان فادحٌ حجم الذعر الذي سببه «المندسون» بين المتظاهرين في ساحة رياض الصلح بعدما انهمرت عليهم الحجارة من داخلها. أصبح الدال «شباب الخندق»، وهم شبان من أحد أحياء الطبقة العاملة التي تحايد وسط المدينة، كناية عن كل الرجال الشيعة الذين هاجموا المتظاهرين واستهدفوا الانتفاضة بملء إرادتهم أو حسب توجيهات الأوامر. هذا النقد للشيعة المعاكسين للثورة يأخذ منحاً جديداً: ذاك الذي لا يتبع طائفة لكن يشارك في عملية انتاج السردية الطائفية أي تلك التصورات المرتبطة بشخصية «علوشي» ضمن بنية النظام الطائفي اللبناني. يقوم المتظاهرون المطالبون بالعلمانية عبر هذه المصادفة بإعادة انتاج العلاقات الطائفية، فيما بينهم ومع خارجهم.

يواجه المتظاهرون إذاً اشكالية: هم مدفوعين لاختزال النظام بطائفة طالما هيمن «حزب الله» على البنية السياسية. ما هي إذاً إمكانيات انتاج جماعة سياسية غير طائفية تسمح للمتظاهرين بالإفلات من العلاقات الاجتماعية التي يوجدون ضمنها؟ كيف يمكن تفكيك الطائفية ضمن هذه العلاقات الاجتماعية في حين أن بعض المصادفات تدفع تلقائياً إلى إعادة انتاج منطق الطائفية؟ للإجابة على هذه الأسئلة، ربما على الذات الثورية أن تفكر وتنتج أنماطاً جديدة من التنظيم والاستقطاب. من أجل ذلك، عليها النظر إلى القادم بعين ثورية، وتحديد ما يستوجب هدمه وما يستوجب بنائه. في الجمهورية الثانية وركيزتيها الطوائفية والحريرية نجحت الانتفاضة بتحديد ما يجب ردمه، ولكن لا يمكن غض النظر عن كون «حزب الله» يشكّل خصماً مستعصياً للثورة وعقبة أمام أهدافها. يمكن تفسير شعار «كلن يعني كلن» على أنه رفضٌ لقبضة حزب الله على البرلمان اللبناني والحكومة واستثارةً لمسألة سلاحه، فديمومة النظام، أو بالأحرى إعادة انتاجه، مشروطة بالسلاح. وعندما يتجرّؤون بالقول «نصر الله واحد منن»، فإن صوت أزيز رصاص «أحداث» السابع من أيار من عام ٢٠٠٨ لا يفارق أذهان المتظاهرين ويدبّ الرعب فيهم. رغم ذلك، فـلا يمكن اختزال النظام بأكمله بـ«العهد»، فهو مجرد تجسّد له؛ تحديد النظام مضلل أكثر مما تخيّلنا. أما الدفاع عن الذات فهو طبيعي ومفهوم، إلا أن بإمكانه أن يشكّل عائقاً أمام عمليّة تشكُّل جماعةٍ ما بعد طائفية. علينا استبانة الانماط في النظام التي قد تساعدنا على مفاوضة هيمنة «حزب الله» من دون تغذية خطاب «حزب الله» عن دون قصد، هذا الخطاب الذي يتنامى الآن مع «الحصار» شبه المفروض ذاتياً. فلنُسقِط «علوشي».[7]

صفا حمزه حاصلة على درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة أريزونا. تهتم في كتاباتها وأبحاثها الحاليّة بأعمال الحداد ومراسم عاشوراء عند الطائفة الشيعية. صفا عضوة في فريق كُحْل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر.

https://api.soundcloud.com/tracks/857762209

[1] يستكشف الكتاب السيرورة التي أدت إلى تجذّر الطائفية لدى الشيعة وتبنّيهم لهوية طائفية ما دون وطنية من خلال مطالبهم المؤسساتية وسعيهم لاستحصال الاعتراف بهم، إضافةً إلى دخولهم في فلك الدولة اللبنانية الطائفية. انظر:
Max Weiss, In The Shadow Of Sectarianism (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 2010), 38-60.

[2] ليست صورة «المتوالي» المسيئة والتي يقال على أنها منحدرة من «متوالياً لعلي» من صنع الجمهورية، فقد استخدمها الرحالة الأوروبيون والبيروقراطيون العثمانيون والمثقفون اللبنانيون في القرن الثامن عشر للإشارة إلى عزلة الجماعات الشيعية في جبل عامل وفي البقاع.
Weiss, In The Shadow Of Sectarianism, 40-54.

[3] Roberto Esposito, Immunitas: The protection and negation of life (Polity, 2011), 9.

[4] Daraj.com. 2020. عن فائض القوة : “علوشي” الذي لا يهزم | Daraj. [online] Available at: https://daraj.com/46017/ [Accessed 10 July 2020].

[5] باقتضاب، ترى هذه الأيديولوجيا الطوائف والطائفية في لبنان على أنها أصيلة في الجماعات وليس كعلاقات اجتماعية تتحقق وتتمأسس بواسطة الدولة، كما يحاجج مهدي عامل. انظر مهدي عامل، في الدولة الطائفية (بيروت: دار الفرابي، ١٩٨٩)

[6] Daraj.com. 2020. عن فائض القوة : “علوشي” الذي لا يهزم | Daraj. [online] Available at: https://daraj.com/46017/ [Accessed 10 July 2020].

[7] تشير «أحداث ٧ أيار» إلى الأزمة السياسية المتعلقة بسلاح «حزب الله» والتي دفعت الحزب إلى نشر عناصره ومحاصرة بيروت الغربية خلال أيام قليلة. شهدت الأزمة صدامات مسلّحة في أحياء العاصمة وامتدت لاحقاً إلى مدن أخرى في لبنان. حلّت الأزمة بعد تدخل الجامعة العربية والوصول إلى «اتفاق الدوحة»، الأمر الذي أدى إلى تراجع حكومة ١٤ آذار عن قرارها بالتدخّل بشبكة الاتصالات التابعة لـ«حزب الله وإلى إنهاء المأزق سياسي في البلاد الذي استمر ١٨ شهراً.

حطام الصوت: إعادة إعمار المكانيات السابقة عبر الترددات

“تنتج التعددية وتنوع الانعكاسات “أحداثًا” أو اهتزازات تترافق مع ما لا نهاية له من التوافقيات والتوابع. لا تُحدّ تأثيرات تغير المفاهيم على انطباعات الفرد إزاء العالم المادي بشكل لولبي فلسفي، بل تُشعّ في كل مكان من جغرافيا التجربة. يمكننا إذن، أن نتخيل حركة الضوء والصوت معًا، كطياتٍ في المادة الأثيرية التي تهتز وتتذبذب.

– جيل دولوز. الطيّة: لايبنيتس والباروك

تحتوي المقدّرات الصوتية العديد من تناسقات الإمكانيات الغير محدودة منهجيًا أو فيزيائًا أو سيستيماتيكيًا. تمكننا هذه التناسقات من تقويض وتقييم المناخات الصوتية للتمدن الحديث. تتزامن هذه المعطيات الصوتية مع المعطيات البصرية في الفضاء المديني، وتتنافس معها لاحتلال المرتبة العليا في الترتيب الحسي أيضًا.  لدى السماع، كتجربة حسيّة، القدرة على استشعار ما لا يُرى، وعلى التحول إلى طريقة للتفكير بمعطيات الأحداث وتفكيكها وفهمها.  إذ أننا نقدر عبر الأهليات الصوتية -ومنها تحديد الصوت على مقياس عمودي أو أفقي، والسماع بأذنين، وتفاوت وقت السماع بينهما- أن نحتسب المعلومات المتعلقة بالحجم وبالإحداثيات المكانية. يصبح الصوت “قاعدة هيكلية ودليلًا تحزريًا” يكشّف عن إحتماليات اجتماعية-سياسية[1]. تنتج الظروف المادية لهذه الأحداث الصوتية، في السياق المديني مثلًا، عن حقبات سياسية متعددة، لا يمكن فصلها عن التغيرات المفروضة عبر النيو-ليبرالية، والتمويل، والحروب والعسكرة، بالإضافة إلى شروط لوجيستية وبيئية متعددة. تُنحت الإشارات النفسية-الصوتية (وهي الإشارات التي تحدد كيفية وصول الصوت إلى أذن المستمع وكيف يحللها جهازه العصبي) أولًا وبأكثر أشكالها وضوحًا عبر العمارة في المناخ المدني، ثم تترجم عبر حاويات للذاكرة السمعية[2] . تحكم مواد البناء والتنظيمات المكانية، واتجاهات العمارة وكثافتها، الطرق التي يفرض عبرها المصدر الصوتي سلطته على النطاق السمعي-المكاني.[3]

سنبحث عبر هذا النص، في هجرات الذبذبات وانعكاساتها ضمن منطقة محددة، أو ما يعرف بالتردد الصوتي، وظواهرها التي تُكشّف عن الشروط المكانية وتستشعر وترسم أساساتها. يتصف التوسع العمراني في لبنان بطرقه الظاهرة والخفية/الصُدفية في آن معًا، إذ يمتلك الأدوات القادرة على التلاعب بالإدراك الحسي للأفراد. سنقيّم عبر معاينة العلاقات بين العمارة والصوت، وسردياتها السياسية المختلفة، ما تكشفه الذبذبات الصوتية في بيروت بالنسبة لطرق الحكم السياسية والقانونية ما بعد الحرب. تعمل سياسات الجماليات هنا كـ” تراسيم للفضاءات والأماكن، والمرئي والمخفي، والصخب والكلام، وهي تحدد في نفس الوقت أماكن السياسة وتحركاتها كتجربة حسية”.[4]

استشعار الخطب

تعرف المؤرخة أيميلي تومسون الترددات على أنها “دوام حطام الصوت في المكان بعد وقت معين”.[5] تشرح تومسون صعوبة تمييز المناخ الصوتي عن التصرفات الصوتية للذبذبات، الذي يصعب تمييزه بدوره عن الفضاء المعماري. ترسم الذبذبات التفاعل الصوتي الذي ينتج عن انعكاس موجة الصوت على ما حولها، مخلفة بذلك العديد من الانعكاسات المتأخرة، التي تتحلل بدورها وتُمتص في المواد من التي تحيط بها. [6]

بعد اختراع حساب وقت الترددات، وهو العلم الذي يقيس فارق الوقت بين ارسال الاشارة الصوتية وبين تردداتها اللاحقة، تعامل المعماريون الحداثيون مع الترددات على أنها عيوب يجب إقصائها. لذلك سعى هؤلاء المعماريون إلى مقاربة الصوت بنفس مقاربتهم للرؤيا، بهدف إرساء تواصل وسماع أفضل في الأماكن المغلقة، فشددت تصاميمهم على القدرة على استقبال الإشارات الصوتية بوضوح دون أي عوائق.  هنا، ينسلخ الصوت تدريجيًا عن بصمته المعمارية.[7] تحلل المؤرخة كارين بيجسترفيلد الطرق التي سعت عبرها بعض الأنظمة إلى تخفيف ضوضاء الشوارع في بدايات القرن العشرين، وكيف واجهت هذه الطرق العديد من التحديات، التي قاومت كل الجهود المبذولة لإسكات المدن. بعيدًا عن محاولات هذه المجتمعات للتحكم بما سيأتي من شبكات مواصلات وتبادل تكنو-لوجستية وهيمنتها التي ستملأ المدن بمستويات عالية من الضجيج المحيط، واجهت هذه الأنظمة تحديًا من نوع أخر، إذ لوحظ تشوه نتائج طرق احتساب شدة الصوت، بسبب العيوب والفوارق الصوتية المتشكلة غالبًا عبر العوامل المساعدة على التردد، التي يمتلئ بها الفضاء المديني [8]

تتكون مشاكل التعداد والمعرفة الصوتية في هذه الفضاءات إثر أسباب شديدة الترابط مع منطق التوسع المديني المعاصر. نريد هنا أن نشير إلى بعض هذه المشاكل التي تتبلور بشكل ظاهر وعملي، ومنها الاختلافات والانحرافات في الدرجات والمقاييس، والماديات، ودرجات المسامية والثقوب، وعلاقتها بتراجع المباني، والمساحات المسموحة لها، بالإضافة إلى نسب جميع العناصر في البنى التحتية العامة. يولد هذا التركيب بين البناء والأطر التمييزية فائضًا من المعطيات الصوتية التي يسهل حسابها، وغيرها الكثير مما لا يمكن حسابه وإحصائه. يناقش عالم الكهرصوتيات الفرنسي جان فرنسوا أوغويار عبر تفكيكه لتراكيب هذه العوامل، إمكانية ازدياد انتشار الترددات في الفضاء المديني بشكل أكبر، “كلما أصبح هذا الفضاء أكثر انغلاقًا، وكلما صعب أو استحيل تعيين مصادر الصوت واتجاهاته فيه.”[9]

يصبغ انتشار الترددات النشاطات الصوتية بشروط عرضية، إذ يفرض تضخمًا مشوهًا للصوت بسبب الإنعكاسات المتداخلة[10]، والتسرب[11] وبشكل أكبر بسبب امتدادات الصوت التي لا تظهر إلا بعد ثوانٍ من حدوثها.[12] تعطي هذه العوارض للصوت القدرة على اجتياح الفضاء، فتتبدد بذلك الفروقات بين المصدر، والجسم المستمع، والحواجز التي بينهما. تستشعر الإذن عبر هذه التجربة، استجابات صوتية تتغير حسب تغير معطيات المكان، محاولة التقاط شواذ ما، أو خلل أو كارثة، تأتي امتداداتها في الوقت الذي يسبق انعدام القدرة على السمع، إلا أننا لا نستطيع أن نفصل هذه الإمتددات عن المعنى الوجودي لأي “حدث”، والذي يقدر أن يجسد وأن يفرض ظروفًا صوتيًة معينة. يؤكد الفيلسوف الفرنسي ألان باديو، في قرائته لنظرة دولوز حول الحدث، على استحالة تفرقة الحدث عن فعل التحول، إذ أنه يشكل استمراريةً وتكثفًا في آن معًا، يصبح سلسلة من التعدديات التي تنافس “لا محدودية تحول الحدث وتفرّده”.[13] أشير في هذا النص إلى الحدث الصوتي و تداعياته على العمارة.

سرديات معارية لاستحالة تنبؤ الصوت

في التاسع تموز عام 2018 ، أعلن رئيس المؤسسة العامة للإسكان في لبنان، وهي المؤسسة المسؤولة عن دعم القروض السكنية عبر الدولة، عن الوقف الفوري لجميع القروض.[14] أدى هذا الوقف المفاجئ لهذه القروض، التي استفاد منها غالبًا عائلات متوسطة إلى منخفضة الدخل، إلى منع هذه الفئات بشكل فعال من الحصول على الحق في المأوى. قد يبدو أن هذا القرار كان ينضوي تحت سياسات إدارية أو بيروقراطية محضة، أو كخيار استراتيجي في دولة ضعيفة ماليًا، لكنه في الواقع ، كان خطوة محتسبة من قبل الطبقة الحاكمة لتعزيز السياسات النيوليبرالية القائمة، التي سعت إلى تحرير الفضاء المديني.

ينعكس المشهد المعماري في بيروت، ومشروع إعادة اعمارها ما بعد الحرب،[15] في السياسات الممنهجة للسيطرة على الطبقات الاجتماعية الأكثر هشاشةً في العاصمة.[16] أدى مشروع سوليدير المزعوم لإعادة الإعمار إلى سلسلة من عمليات التهجير القسري، ومشاريع البناء الغير متوازنة وتوزيع الثروات بشكل غير متكافئ.[17] يسعى التشديد على استحالة الفصل بين سياسات العمران وبين سردياتها، بشكل أساسي لتسليط الضوء على تأثير هذه السياسات ووكالاتها، وفهم هذه القدرات في سياقاتها عندما توضع بقرب وكالات وتأثيرات أخرى. تفسر كارن باراد التأثيرات المتداخلة (intra-actions) على أنها “الدستور المتبادل للوكالات المتشابكة”، إذ (لا) تتحقق فيها الوكالات إلا داخليًا وفيما بينها. تجزم باراد بأن “الوكالات تتفرد فقط في علاقتها بارتباطها بهذا التشابك الذي يجمعها، أذ أنها لا تستطيع التواجد كعوامل منفصلة” [18]. تعطي التأثيرات المتداخلة، كما تفسرها باراد قياسًا منطقيًا للـ”وكالات المُقاسة” (الأثر) والـ”أشياء المُقاسة” (السبب). تظهر هذه القياسات كيفية تسرّب الحدث (السبب) إلى احتماليات لا نهائية، لكنه، في التأثيرات المتداخلة المحدودة مكانيًا، تظهر حقيقته عبر الترددات الصادرة عنه (الأثر). 

تزودنا الترددات في بيروت بحقائق عن حالة مناخها المديني، فهي بقايا تراكمات تصاريح البناء الصادرة عن نقابة المهندسين المعماريين والمهندسين في لبنان من عام ١٩٩٣ حتى عام ٢٠١٨. تصبح تصاريح البناء هذه، في ذروتها أو انخفاضها مؤشرات لتحديد نطاق التوسع المكاني وتأثيره على المدينة وهويتها الصوتية. يشرح لنا تذبذب هذه البيانات العديد من المناورات التي شوهت الترددات.

 جرت المحاولة الأولى من سياسات إعادة الإعمار في عام ١٩٩٤، إذ تمت الموافقة على ٣٤٥٧٢ مترًا مربعًا من الأسطح المبنية الجديدة في لبنان.[19] كما تمت عمليات الإخلاء القسري ومصادرة الأراضي بصورة غير قانونية[20] إثر أدراج قانون الإيجار لعام ١٩٩٢.[21] أعطى هذا القانون الصلاحية لملاك العقارات للتخلص من المستأجرين القدامى قبل هدم المباني، وإقامة مبانٍ جديدة، بأرباح مضاعفة. أرست التعديلات القانونية هذه المزيد من أشكال الإستغلال العقارية المفروضة عبر التشكيلات المعمارية المبنية حديثًا.[22] أدت عمليات الهدم السريعة والمتتالية للمباني المتحللة خلال فترة إعادة الإعمار إلى حالة صوتية غامرة. أحسّ سكان العاصمة بسياسات نزع الملكية والارغام على النزوح عند رؤيتهم وسماعهم لمعالم الترددات الفارغة الجديدة، التي زُرعت فجأة في أحيائهم. عمّ ضباب الإنعكاسات الصوتية في المدينة، إذ تم تجريد السمع من إمكانية توطينه وتحديد مصدره، فأصبح فك هويات المصادر الصوتية أمرًا مستحيلًا.[23] حُرم المارة في الشارع من احساسهم بالتموضع مرارًا وتكرارًا، وذلك إثر تغير هياكلهم السمعية المفروضة عبر هذا الواقع الجديد.[24]

أما معماريًا، فقد تصاعدت إثر عمليات الهدم وإعادة البناء، درجات الكثافة في الأسمنت والمعدن والواجهات الزجاجية والفتحات والمعلقات الهندسية، التي صحبتها ارتفاعات وكثافات متناقضة حجبت الرؤيا وشوّشت الدرجات الصوتية. أرسى ذلك هيمنة درجات صوتية تعمل كمستشعرات بيئية، وتضخم الأنشطة الصوتية من خلال زيادة انعكاساتها. أدى هذا السلوك العشوائي للصوت، إلى فقدان التناسق بين المرسل والمتلقي، وبالتالي استحالة الإدراك المكاني للإشارات الصوتية. أصبح الصدى مقياساً لاستراتيجيات التوسع المكاني، وانعكاساتها القانونية، ولدرجات إخضاع الدولة لمواطنيها.

تم تعزيز الاستراتيجيات المكانية والطائفية[25] من خلال منطق نيوليبرالي على البقع المبنية حديثًا، عبر إرساء مخطط استثمار عقاري جديد لإعادة الإعمار يغيب فيه التكافؤ بشكل تام.[26] أصبحت هذه التفاوتات التي بدأت تنتشر وتشيع بشكل أكبر، وتجسدت في ما يُعرفه الكاتب براندون لابيل على أنه “منطقة صوتية”.  فرضت التداعيات الصوتية للتكوينات المعمارية الجديدة شروطًا ذاتية،[27] إذ تم تعديل الصفات الترددية بشكل تدريجي، وبنسق حاد غالبًا، على مقربة من محيط المدينة، كما تم إخماد الموجات الصوتية المنعكسة عبر الإسمنت المنخفض الامتصاص، من خلال تراكيب الشوارع والأجسام المضغوطة التي أصبحت تشغل المجال العام الجديد. في مقابل هذا الإخماد، أدّى تماس المباني وضغط المساحات هذا في بعض الحالات، إلى بيئات صوتية حادة، يغذيها التقارب بين المساكن والبنى التحتية.

يقطع جسر يريفان مثلًا، وعبر امتداد كيلومترين وعرض ١٨ مترًا، مناطقًا شديدة الاكتظاظ في برج حمود والنبعة، حيث يعيش عدد كبير من النازحين ومن العمال الأجانب منذ الحرب الأهلية. يوطد هذا الجسر، سياسات الدولة الممنهجة في حرمان منطقة برج حمود، وذلك عبر عزلها عن باقي المدينة، وعن تدفقاتها الاقتصادية. أدى تلاصق الجسر الشديد بالمباني المنشأة قبله إلى نسيج صوتي غائرٍ يسمع على نطاق الطريق.

تحجب الهياكل الإسمنتية القليلة المسامية وصول الضوء الطبيعي وتشوش على تسرب النشاط الصوتي في البيئة المدينية الحيوية التي تعج بالتفاعلات الاجتماعية والتجارية، فتتم بالتالي، عملية “تضخيم وتعقيد وتوريط”[28] للانعكاسات الصوتية الموجودة، لتولد ما يسميه داوتري بـ”منطقة صوتية رنانة” . يتعمّق الفرق بين الداخل والخارج بالنسبة للمستمع،[29] حين تتردد الموجات الصوتية إلى أذنه وجسمه، عندما تتم معالجتها وتغيير صفاتها مكانيًا. تغرق، إثر ذلك، الطوابق الأرضية وتهوي إلى باطن الأرض، مدفوعة بهذه الخصائص المعدلة، ومؤكدة على مساعي الدولة لتهميش واستبعاد الطبقات الاجتماعية القائمة فيما.

وسعّت الطفرة العقارية المزعومة في عام ٢٠٠٤ هذه الحالة المدينية المتصاعدة عبر تقليص جميع المساحات المتبقية، وعبر والتعديلات المتسارعة في قوانين البناء التي عززت استغلال الأراضي وزادت ارتفاعات المباني.[30] فرضت حرب تموز من العام ٢٠٠٦ التي استمرت لشهر ومحت العديد من المناطق السكنية وبنيتها التحتية مخططًا لإعادة البناء تزامن مع سياسات مكانية مفروضة مسبقًا. بلغ إجمالي تصاريح البناء ٧٧١٩ مترًا مربعًا في عام ٢٠٠٤، ووصل إلى ١٥١٨٧ في عام ٢٠١٠، مما يشير إلى أن الطفرة العقارية قد تضخمت، على الرغم من المد الجيوسياسي والأمني ​​المحيط بها.

فشلت السياسات الإقتصادية التمويلية التي كانت تعتمد على إمكانيات استغلال الأراضي فشلًا ذريعًا[31] عندما توقف دعم قروض الإسكان. تبع ذلك انهيار حاد في الوضع الاقتصادي والاجتماعي المبني أصلًا على أوهام، إلى حين وصوله الحضيض في أواخر ٢٠١٩. 

يصبح الاستماع إلى هذه الكيانات المعمارية لبيروت عملاً يدلل على العمليات السياسية والقانونية التي أرستها الطبقة الحاكمة على مدى ثلاثة عقود. أدت هذه العمليات، التي شجعت على استغلال الأراضي إلى آخر نفس، واستنزاف الموارد بهدف رعاية نظام دين مرتفع وغير منتج، تناقضًا حادًا ورأسيًا في الطبقات الإجتماعية، أضحى ظاهرًا ومسموعًا. تصبح الترددات بهذا الشكل، أعلامًا لتوليفات تجمع الأبراج الفارغة، التي تخنق المساحة القصوى من نسبة البناء المسموحة قانونيًا، جنبًا إلى جنب مع المساكن المهترئة التي قاومت قانون الإيجار الصادر عام 1992. واجهات زجاجية مدمجة في إطار من الإسمنت، تعكس وتُبرز، وتُأرجح، وتردد الأنشطة الصوتية بآلاف الأشعة إلى ما لا نهاية.

نحتت توليفات بيروت المدينية أنماط السمع وهذبتها لكي تتوافق مع نموذجها الصوتي-المكاني، وتردداتها المنتشرة، كما غيرت أحياءًا كان فيها نشاط الشارع جوهريًا لبقائها، وتسللت إلى مساكنها المتداعية عبر ثقوبها واهتراءاتها. يقاوم أولئك الذين تعوّدت آذانهم على تجليات هياكل السلطة الحسيّة العمران الخانق هذا عبر تحليل غزو الترددات المدينية وتحديد تداعيات عنفه المكاني.

ترجمة: حسين ناصر الدين


[1] لابيل، براندون، ٢٠٢٠.  Sonic Agency: sound and emergent forms of resistance. {مكان النشر غير محدد}: جامعة غولدسميث PR LTD.

[2]  بوالي، شيما، ٢٠١٦. The Islamic sonic Social: Interview with Seth Ayyaz. إبراز. يوضح سيث أياز أن للسياق الصوتي ذاكرة وقدرات تعلّمية.

[3] شافر، ر. موراي. ١٩٩٧.  The soundscape: our sonic environment and the tuning of the world. روشستر Vt: Destiny.

[4] ياتس، مككي. ٢٠٠٧.   “Eyes and ears”: aesthetics, visual culture and the claims of nongovernmental politics”. Nongovernmental Politics. ٣٢٧-٣٥٥.

[5] طومسون، أميلي آن. ٢٠٠٨. The soundscape of modernity: architectural acoustics and the culture of listening in America, 1900-1933. كامبردج، مطبعة أم آي تي.

[6] المصدر نفسه

[7] تكازيك، فيكتوريا. ٢٠١٥. “The Shot Is Fired Unheard: Sigmund Exner and the Physiology of Reverberation”.  Grey Room. ٦٦-٨١.

[8] بيجسترفلد. كارين. ٢٠١٧. Mechanical Sound: technology, culture, and public problems of noise in the twentieth century.  كامبردج، مطبعة أم آي تي.

[9] أوغويار، جان فرانسوا، وهنري تورغ. ٢٠١٤ .  Sonic Experience: a Guide to Everyday Sounds. مونتريال٬ مطبعة جامعة مكغيل-كوين.

[10] أوغويار وتورغ. ٢٠١٤

[11] أبو حمدان، لورنس. ٢٠١٧. Aural Contract: Investigation At the Threshold of Audibility.أطروحة دكتوراه. جامعة غولدسميث لندن.

[12] تشديد من الكاتب. المزيد في صفا، محمد. ٢٠١٩   Reverberant Territories: Extended low frequency modulations as an account of affective aftermaths. أطروحة ماجيستير. جامعة غولدسميث لندن.

[13]  روفل، جون. Badiou’s Deleuze. أبينغدون، أوكسون: روتلدج.

[14]  www.aljoumhouria.com/ar/news/424806/مدير-عام-الاسكان-يطلب-وقف-قبول-طلبات-القروض-السكنية%0

[15] المخطط الأولي المصمم على نطاق وطني تحت اسم “أفق ٢٠٠٠”، الملزم لاحقًا لشركة المقاولات المعروفة بـ”سوليدير”.

[16] ليندرز، رينود  “Public means to private ends: state building and power in Post-war Lebanon” . ٣١٣ -٣١٥.

[17] مكارم، هادي. The Limits of Neoliberal Policies in Post-Civil War Lebanon: A Critical Study of Solidere’s Reconstruction of Downtown Beirut. 20-21. ساهمت خطط إعادة الإعمار أيضًا في خلق سياسات دَينية، وفرضت تضخمًا عقاريًا متوقعًا. 

[18] باراد، كارين ميشيل. ٢٠٠٧. Meeting the universe halfway quantum physics and the entanglement of matter and meaning. دورهام، مطبعة جامعة دوك.

[19] إنظر أرشيف oea.org.lb

[20] اورستروم، ليساندرا. “Solidere ‘Vigilantism under color of law” . صحيفة الديلي ستار. ٥ آب ٢٠٠٧.

[21] الأشقر، هشام، “The Lebanese State as Initiator of Gentrification in Achrafieh,” في Les Carnets de l’Ifpo، ٥ تموز ٢٠١٢. http://ifpo.hypotheses. org/3834 (روجع الموقع في ٢٩ تشرين أول ٢٠١٤).

[22] في ١٩٩٤، أجبرت التعزيزات على قانون الإعمار كل العقارات على تسوية كل أوضاعها “الغير قانونية” عبر دفع الضرائب و/أو الرجوع إلى قانون البناء المعدل عام ١٩٨٣.

[23] انظر بياكوت وستانياك. technologies of the intermundane. يسميان هذه الظاهرة بالـ”ريزوفنيا” – أو استحالة تحديد هوية مستقلة بين الصوت ومصدره.

[24] دوتري، ج. مارتين. ٢٠٢٠.  . listening to war: sound, music, trauma, and survival in wartime iraq.  {مكان النشر غير محدد}: مطبعة جامعة أوكسفورد.

[25] حرب- الكاك، منى.  “Towards a Regionally Balanced Development”. مؤتمر في UNDP عن ترابط النمو الاقتصادي بالتحسين الإجتماعي. بيروت، لبنان ١١ -١٣ كانون ثاني ٢٠٠٠.

[26] بو عكر، هبة. ٢٠١٨ For the war yet to come: planning Beirut’s frontiers.

[27] لابيل، براندون. ٢٠١٩  Acoustic territories: sound culture and everyday life.

[28] دوتري. ٢٠٢٠.

[29] المصدر نفسه.

[30] أشقر، هشام. ٢٠١٥  “Benefiting from a Crisis: Lebanese Upscale Real-Estate Industry and the War in Syria” في  Confluences Méditerranée. ٩٢ (١): ٨٩.   

[31] أشقر. ٢٠١٥.

ما تبقى هو الثابت

1.

 ترعرع جون هاتشينسون (١٨١١-١٨٦١) في نيوكاسل، وهي منطقة مناجم قرب نهر التاين، في شمالي شرق بريطانيا. كان من عائلة متوسطة الدخل، أتى دخلها من عمل الرعيّة، والزراعة، وتجارة الفحم. خلال سنوات عمره، عمل في العديد من المجالات المختصة بالفسيولوجيا والهندسة الميكانيكية، إذ عمل كطبيب مساعد في مستشفى أمراض الصدر، وكجراح في مستشفى ساوثهامبتون، وكطبيب في شركة بريتانيا للتأمين.[1]

وجه اهتمام هاتشينسون بميكانكيات التنفس، واحصائيات الطب، والتقييمات الربحية لبوالص التأمين، بحثه نحو “القدرة الحيوية” للرئتين. وصف هذه القدرة الحيوية كـ” اكبر حجم ممكن من الهواء المحتبس في جسم الإنسان الحي في أي وقت عبر أي حركة…” واعتبر هوتشينسون أن عضلات الصدر التي تسهل حركة الرئتين “تحركها الإرادة”. استثمر هوتشينسون جهده في تحديد كمّيات الحيوة، وقد انعكس ذلك في تمأسس الأرقام، الذي بدأت ملامحه تتشكل في القرن التاسع عشر، عبر تنبؤ شركات التأمين للأعمار، واحصاء الأخطار، وانشاء أدوات دقيقة وتخمينات نظرية لما يمكن، أو يجب عدّه.

أعطى هاتشينسون، في ظل التوترات التي ظهرت في ذلك الوقت بين العلم واللاهوت، لغة للعلم الحيوي، عززت الأداء الميكانيكي للتنفس، مصورة إياه كنظام ديناميكي يدعم الحياة في جسم الإنسان. كما وأنه طور، أثناء عمله كطبيب في مكتب بريتانيا لايف، جهاز عُرف بمقياس التنفس، وهو أداة فنية لتقييم ملفات المتقدمين بطلب للتأمين على الحياة. قاس هذا الجهاز حجم الهواء المتنفس من الرئتين عبر كل شهيق وزفير. سعى هاتشينسون عبر بيانات قياس التنفس، إلى تحويل القدرات الحيوية إلى حقائق يمكن فهمها، إذ نُظّمت في جداول إحصائية، وتم استعمالها كسلاح أو كأداة مراقبة تحتسب الجدوى الربحية للمخاطرة، لأفراد الطبقة العاملة البريطانية. وهكذا، اكتسب مقياس التنفس سلطته المعرفية[2] من خلال تقديمه كجهاز علمي مثبت تجريبياً، واستخدم لإعادة إنتاج الحقائق الاجتماعية الكمية حول حسابات الجسد.

استفاد هاتشينسون، بالإضافة إلى ذلك، من الاحتلال كآلية لوضع معيار صحي للمجال الاجتماعي، إذ وضع اسس “المعيار الصحي” وفقًا لأجساد العسكريين وضباط الشرطة. خلص هاتشينسون، إلى أن الحرفيين كانوا “منخفضي القوة” ، في حين أن أجساد الشرطة كانت “عينات جيدة ذات سعة رئوية عالية”[3]. برهن، عبر بناء مجموعات مقارنة بين ضباط الشرطة والعسكريين، والحرفيين والأفراد ذوي الدخل المحدود، أن جهاز قياس التنفس كان قادرًا على التحول إلى تقنية للتنظيم والفصل. تم بناء معيار اللياقة – التي ترتبط بدرجة عالية بالجسد “الصحي”- وأنماط النجاة والبقاء، على أساس التركيب الجيني لأفراد من طبقة الشرطة والجيش الاستبدادية، وتم اعتماد وتنظيم معايير القيم الطبيعية لسعة رئتي الجسم الاجتماعي من خلال قياسات التنفس لعناصر من هذه الطبقة. شكّل هذا التوحيد القياسي للياقة، الذي ردد الحجج الداروينية للاختلاف الهرمي، واحدًا من العديد من أنظمة القياس الكمية التي تُخضع الأجسام السوداء، واللا-البيضاء واللا-بشرية، والأجسام المجنسنة، وأجسام الطبقة العاملة، للمراقبات العنصرية للقانون الإحصائي والترتيب البيولوجي.

سمح مقياس التنفس لهاتشينسون بتحديد وقياس وتقدير وتصنيف الرئتين في أربع فئات على الشكل التالي: الفئة الأولى وهي الهواء الراكد، أي كمية الهواء المتبقية في الرئتين بعد الزفير الكلّي، والفئة الثانية وهي الهواء الاحتياطي، أي كمية الهواء المتبقية في الرئتين بعد “الزفير الخفيف”، وهواء التنفس، أي كمية الهواء اللازمة لـ “الشهيق والزفير الخفيفين العاديين”، والهواء التكميلي، وهو كمية الهواء المتاحة أثناء المجهود الشاق. ادعى هاتشينسون أن هذه المعطيات لم تكن ثابتة في كل وقت، مضيفًا بأنها كانت نتيجةً للحركات الميكانيكية المنسقة التي تدفع بالهواء إلى داخل وخارج الرئتين.[4]

ترتبط قيمة القدرة الحيوية للفرد، وخاصة بالنسبة لشركات التأمين على الحياة، بالطبقة الاجتماعية والمهنة والعرق. يصبح “الزفير الخفيف” بالنسبة لهذه الشركات قيمة تحدد جدارة الفرد صحيًا ومدى استحقاقه للتأمين على الحياة. أصبحت قياسات هاتشينسون -التي رفعته إلى مصافي العلماء والمكتشفين-  أدوات معيارية وتعليمية لمراقبة وإدارة الجسد السكاني ككل، ولإنشاء قيم ومعايير “طبيعية” لحياة الإنسان. حددت جداول هاتشينسون الإحصائية، عبر خبرته كطبيب، التقييمات الربحية لسياسات شركات التأمين، في ظلّ تبلور توظيف العلوم الطبيعية في مجالات الإحصاء من خلال أبحاث هاتشينسون التجريبية ومن خلال السلطة المعرفية التي أرساها جهاز قياس التنفس.

 ٢.

كان بنجامين أبثورب جولد (1824-1896)، يعمل كخبير تأميني للجنة الصحة الأمريكية، بالإضافة إلى عمله بجمع الملاحظات الفلكية للأكاديمية الوطنية للعلوم. مهد تقريره المكون من 613 صفحة، والمعنون Investigations in the Military and Anthropological Statistics of American Soldiers (تحقيقات في الإحصاءات العسكرية والأنثروبولوجية للجنود الأمريكيين) الطريق لمفاهيم هرمية تحدد الاختلاف العنصري. إذ تم تصنيف البيانات الكمية التابعة للبحارة والسجناء والمجندين في جيش الإتحاد، مثل الرأس والوزن والنبض وقدرة الرئتين بحسب العرق والعمر. نشر التقرير في عام 1869، خلال حقبة الإعمار الموعود، وحدد الأبعاد العقلية والأخلاقية والمادية للاختلافات العرقية، عبر استخدام أدوات دقيقة وحديثة، كان مقياس التنفس واحدًا منها[5]. وفي الوقت الذي زاد فيه قبول مجال الإحصاء كممثل للعلوم المنتجة للمعرفة المجتمعية، أصبحت الأرقام دلائل مفرّغة، تُستخدم لعدّ كمّيات الجسم، وإنتاج أنظمة تصنيف ترصد القدرات الحيوية لكي تفرّق بين من يستحقون الحصول على التأمين على الحياة، ومن لا يستحقونه. 

أدى تقرير جولد إلى تطوير تكنولوجيا جديدة قادرة على قياس تفاصيل معينة من الجسم. أشاد جولد بمقياس التنفس لمرونة استخدامه، ودقته وجهوزيته للحرب. كما وأصرّ على صناعة مقياس تنفس جديد بتصميمه، وحثّه طموحه بتجاوز أبحاث هاتشينسون، على إنشاء جهاز خاص به، وإجراء 21000 عينة اختبار عبره ليدعّم تقريره.

وضعت احصائيات سعة الرئتين في جداول تقارن الجنود البيض، بـ “السود بالكامل” و “الخلاسيون” و “الهنود”، على حد تعبير جولد، معززةً نظام التصنيف العنصري السائد في البحث العلمي. أشار تقرير جولد إلى أن “السود بالكامل” لديهم سعة رئوية أقل بنسبة 6 إلى 12 في المائة من السعة الرؤية لدى “البيض”، وأن سعة الرئة لدى “الخلاسيون” كانت أقل بنسبة 0.023 في المائة من “السود بالكامل”.[6]

فشل جولد بالاعتراف بالفروقات في ظروف العمل والحياة الخاصة بالجنود السود في مسحه. إذ أن الجنود السود عاشوا في مخيمات مزدحمة، وكانوا عرضةً لرعاية طبية قاسية وشبه معدومة في مستشفيات الفصل العنصري، مما أدى إلى ارتفاع معدلات الوفيات والأمراض المعدية مثل السل والالتهاب الرئوي لديهم، ومما أثّر بالتالي على جهازهم التنفسي. حذف جولد هذه البيانات وأخفاها عمدًا، لأنه كان يؤمن بالدعم العلمي للأيديولوجيات العنصرية، والسياسات العامة التي تهدف إلى تقييم الاختلافات العرقية. وهكذا، بعد حذفه لكل بيانات للظروف الاجتماعية المدرجة في التقرير، حدد جولد سعة الرئة البيضاء، كمعيار علمي.

٣.

استمدّ فريدريك هوفمان (1865–1946)، الذي كان كبير الإحصائيين في شركة Prudential Life Insurance Company، معطياته من دراسة غولد حول سعة الرئة المنخفضة وذلك بعد ثلاثين عامًا من نشرها، في كتابه Race Traits and Tendencies of the American Negro (1896 (ميول وسمات الزنجي الأمريكي العرقية) . تم نشر هذه الدراسة العنصرية من قبل الجمعية الاقتصادية الأمريكية، واكتسبت مصداقيتها كوثيقة موضوعية تطبق الاحتمالات الإحصائية، ونظريات تحسين النسل، وقراءات قياس التنفس، وكانت احدى أهم الوثائق التي منعت الأمريكيين الأفارقة من الحصول على التأمين. كلفت شركة Prudential هوفمان بكتابة دراسته، لمواجهة تشريعات الولاية التي تحظر أي تمييز ضد الأميركيين من أصل أفريقي في بوليصة التأمين على الحياة.  أراد هوفمان، أن يثبت من خلال العلم القابل للقياس، أن الأمريكيين الأفارقة محكومون بالانقراض، بناءً على معدلات وفيّاتهم المرتفعة[7] . ثم تم تعيينه في الفرع الاكتواري للشركة، لتقديم المشورة التقنية بشأن تطوير سياسات تقييم المخاطر للعملاء المحتملين.

كانت شركات التأمين على الحياة تحصل على تمويل جزئي من قبل اللجنة الأمريكية الصحية، مما سمح لهوفمان بالنفاذ إلى بيانات قياس التنفس الخاصة بجولد، وهذا ما مكنه من الربط بين التنفس وسعة الرئة والدونية العرقية.

تحولت تقييمات الوظائف الفسيولوجية إلى سلاح، وإلى دليل علمي، إذ عززت بيانات جولد الأولية الناتجة عن مقياسه للتنفس، أيديولوجيات هوفمان العنصرية. أصبحت دراسة المخاطر سلعة يمكن تقييمها بأدوات إحصائية دقيقة، وأصبحت الاختلافات العرقية في قدرات الرئتين تُفهم على أنها ملاحظات علمية موضوعية وتجريبية، بعد أن قدمها جولد في تشكيلات مجدولة. أدى المظهر العلمي لدراسة “سمات وميول العرق”، الذي سهّلته قراءات قياس التنفس لجولد، إلى ترسيخ دراسة هوفمان كعلم اكتواري.

بالنسبة لهوفمان، يمكن التعبير عن المصير العنصري و”مشكلة العرق” عبر سرديات ​​إحصائية تدّعي بأن الأمريكيين الأفارقة غير قادرين على الحياة الحديثة خارج نُظم العبودية، بسبب “الحيوية” التي افترضت الإحصائيات بأنهم سيخسرونها بمجرد مغادرتهم المزارع. كان الأمريكيون الأفارقة غير صالحين للحرية وفق قياسات غولد لسعة الرئتين، إذ كانوا يعانون من نقص بيولوجي في العمالة الصناعية، وكانوا يمثلون عبئًا اقتصاديًا في وجه التقدم. شدد هذا التكهن، وهذه الإحصائيات الجسدية، على حصر الأمريكيين الأفارقة في العمل الزراعي في ظل إدارة تفوق البيض. تم الحفاظ على الدولة القائمة، في خضم التصنيع، عبر إرساء هذه السلطة الكمية.[8] أرست الحماسة الثقافية الدافعة نحو ترقيم الظواهر الاجتماعية في القرن التاسع عشر لانتشار الرقابة الصارمة وإدارة الأجسام سياسيًا.

لا يمكن فصل المعرفة التي وضع قواعدها مقياس التنفس عن ممارسات دراسة المخاطر الخاصة بشركات التأمين على الحياة التي شاركت في تعزيز مناهضة السواد، والطبقية، والتزاوج الجنسي، عبر أجهزة القياس العلمية. أرادت هذه الشركات تصنيع هذه الأجهزة لكي تعطي ارقامًا منتظمة لمعدلات وفيات مجموعات معينة من الناس. وهكذا، تحوّل تحليل المخاطر إلى سمة قاتلة في مجال التأمين على الحياة.

اعتُبر الجسم الأسود المستعبد، بشكل موضوعي، سلعةً أو مُمتلكًا قابلًا للتأمين، سلعة مستعدة للرمي بشكل مبرر في المحيط عندما تصاب بالمرض.[9] أصبحت أنظمة المخاطر قابلة للحساب عندما قرر هوفمان أن الأمريكيين من أصل أفريقي غير قابلين للتأمين بناءً على التمثيل الإحصائي لقدرات الرئتين لديهم.

~

في مقالته بعنوان The Universal Right to Breathe (الحق العالمي في التنفس)، يتناول أخيل مبيمبي عتبة الاختناق التي كانت موجودة قبل كوفيد -19:

… قبل هذا الفيروس، كانت البشرية مهددة بالاختناق بالفعل … كل ما يهاجم بشكل أساسي الجهاز التنفسي، كل شيء أدى ، في عهد الرأسمالية الطويل، إلى تقييد قطاعات كاملة من سكان العالم، وأجناس بأكملها، بأنفاس صعبة تلهث وبحياة قاهرة. إن الوصول إلى هذا الانقباض يعني أن التنفس تجاوز جانبه البيولوجي البحت وأصبح بحكم التعريف، عصيًا على كل الحسابات. هذا ما أعنيه، عندما أتحدث عن الحق العالمي في التنفس. [10]

حق في التنفس، من دون حسابات متحيزة. أو، حقٌ في التنفس يتعارض مع بيانات قياس التنفس التي زعمها هوفمان وهاتشينسون وجولد. وربما، بشكل أكثر تحديدًا، حقٌ في التنفس يبتعد عن مفهوم العلم كنظام للحقيقة، والتجارب الذي تمت صياغتها وممارستها من أجل الحفاظ على الاضطهاد وإضفاء شرعية عليه. يجب على المرء، لتجاوز هذه القوى المقيدة التي حددها مبيمبي، أن يقوم بعمل تنفس يتجاوز قدراته البيولوجية الفسيولوجية البحتة.

هل يمكننا تخيل عملية التنفس البيولوجية – الفسيولوجية مُحررة من هياكل الرأسمالية؟ وهل يمكن لهذه الوظيفة المادية للجسم أن تنفصل عن التكوين المنهجي لنظام المعرفة الذي تأسس على ترقيم وتحديد الاختلاف؟

لست أقترح أبدًا بأن العلم لا يمكن أن ينتج معرفة أساسية ومتساوية حول العالم المادي واللامادي. بل أن هدفي، بدلاً من ذلك هو إزاحة الممارسات العلمية التاريخية من أرضيتها المؤسسة على منطق تحسين النسل العنصري، والترويج السياسي والجمالي لمناهضة السواد، والطبقية، والسوائية الجنسية.[11] بالإضافة إلى ذلك، تكمن نيتي في فك الأنظمة الهيكلية للسلطة التي أثرت على العلم كنظام معرفي يبني الاختلافات ويحدد القيم.

ترجمة: حسين ناصر الدين


— كتبت نسخة سابقة من هذا المقال في برنامج Whitney Independent Studio Program book تحت عنوان Conjuncture  ونشرت في تموز ٢٠٢٠.

[1] سبريغز أي، آي، ““John Hutchinson, the Inventor of the Spirometer–His North Country Background, Life in London, and Scientific Achievements.”  Medical History 21 رقم ٤(1977): 357–64. doi:10.1017/S0025727300039004, 359.

[2] يستخدم لوندي براون تعبير “السلطة المعرفية” في كتابه Breathing Race into the Machine: The Surprising Career of the Spirometer from Plantation to Genetics (مينيابوليس، مطبعة جامعة مينيسوتا، ٢٠١٤) لشرح قدرة جهاز التنفس على عنصرة الأجساد عند القياس، وتعزيز التصنيفات في المجتمع، وخلق المعرفة في مجالات مختلفة.

[3] براون، لوندي.  Breathing Race into the Machine: The Surprising Career of the Spirometer from Plantation to Genetics.(مينيابوليس، مطبعة جامعة مينيسوتا، ٢٠١٤)

[4]المصدر نفسه. ٩.

[5] براون، لوندي.  Breathing Race into the Machine: The Surprising Career of the Spirometer from Plantation to Genetics.(مينيابوليس، مطبعة جامعة مينيسوتا، ٢٠١٤)

[6] المصدر نفسه. ٣٧.

[7] بوك، دانييل ب.  How Our Days Became Numbered: Risk and the Rise of the Statistical Individual (شيكاغو: لندن: مطبعة جامعة شيكاغو، ٢٠١٥)، ٣١-٥٣.

[8] ايسبلاند، ويندي نيسون و ميتشل ل. ستيفنز. “A Sociology of Quantification” European Journal of Sociology 49, رقم 3 (٢٠٠٨): 401–36. doi:10.1017/S0003975609000150.

[9] فكرة العبد كحمولة أو كسلعة. تشرح م، نوربيسي فيليب مطولًا في كتابها المعنون Zong! حادثة قتل ستة عبيد أمريكيين رُميوا من سفينة القبطان كولينغوود لأنهم مرضوا. وتشرح أيضًا قضية ف.جيلبيت التي وضع فيها مالكو السفينة في طلب التأمين، التأمين على أجسام العبيد السود كـ”حمولة”.

[10]  أخيل مبيمبي، “The Universal Right to Breathe,” critinq.wordpress.com , 2020, https://critinq.wordpress.com/2020/04/13/the-universal-right-to-breathe/.

[11] للمزيد انظر بارك مكأرثر وكونستانتينا زافيتساتوس: “The Guild of the Brave Poor Things,” في Trap Door: Trans Cultural Production and the Politics of Visibility (كامبريدج، مطبعة جامعة MIT، ٢٠١٧) ص. ٢٣٦-٢٥٤.

ف.ر.د

بحلول موعد نشر هذه المقدّمة، سيكون العالم قد تهيّأ للنفاذ بجلده للمرّة العاشرة. أشارت تغريدة على موقع تويتر، حصدت مشاهدات كثيرة، بشكل مازح إلى أحداث الانقراض المتكررة التي تجلّت العام الماضي وما زالت آثارها ملموسة أن «المؤرّخين في المستقبل سيُسألون في أيّ ربع من عام ٢٠٢٠ قد تخصصوا»[1]. أينما وضعنا رؤوسنا، تتابع أحداث تحمل في طيّاتها إمكانية تعطيل التاريخ، الواحدة تلو الأخرى وبسرعة الضوء. كيفما أصغينا يمكننا سماع كل المجتمعات وهي تتعامل مع الأزمات المتلاحقة بارتباك كبير وأسى لا يوصف. في تأويلها لأوّل مجلّدين من كتاب «رأس المال» لكارل ماركس، تحذّر آيمي وندلنج أنّ «الرأسمالية محرّك بخاري فيه عيب في التصميم سوف يعجّل حدوث انفجار بمعزل عن ما يفعله أو يظنّه أي شخص»[2]. ولكن ماذا لو اتضح أن «الانفجار» المتوقّع حدوثه ليس انفجاراً وإنما تراكم لأزمات متتالية لا تترك مجالاً ليلتقط الفرد أنفاسه، بالمعنى الحرفيّ والمجازيّ[3]؟ وماذا يحدث عندما يستحيل فهم هذا التغيير الهائل، أو حينما تتغيّر آليات الحياة اليومية التي أمتثلنا لها يوماً بصورة ليس بوسعنا فهمها؟

تكمن مهمّة كتابة وتحرير قسم من المنشور الخاصّ بـ «مركز بيروت للفنّ» بإنتاج تأمّلات في الحاضر المباشر، على الرغم من جنوح الحاضر للإفلات منّا بفعل جريانه وتشظّيه المفاجئَين. تسعى المساهمات المكلَّفة لهذه المناسبة بمحاولة فهم سيرورة تشكّل الذوات حينما يضطرب نمط الحياة المعتاد بشدّة. تنطلق من افتراض أن «نظام تشكّل الذّات» الذي يكوّن الوعي الجماعي، والذي هو «مجموعة طرق الحياة التي تمثّل وتعيش اللحظة وبنفس الوقت تدوّن التجربة بعقلية وقت تاريخيّ وبفهمه وبلغته»[4] يُزَجّ به الآن في حالة من الفوضى ويُعاد النظر فيه بشكل آنيّ. لتتأصّل هذه المهمّة إذاً، عليها أن تندرج أوّلا في الزمكان، أي المناخ العام المنبثقة منه.

يمكن اعتبار انتفاضة ١٧ تشرين الأول / أكتوبر عام ٢٠١٩ نقطة انطلاق مناسبة للتفكير في الكيفية التي يتحدّد بها تاريخ الحاضر في لبنان. لا شكّ أن الانتفاضة كانت ولا تزال حدثًا مُزلزلا ذو أهميّة لا يمكن قياسها. على الرغم من إخفاقها في تسبيب التحوّل الاجتماعي وفصل قَدَرِنا الجماعي عن بربريّة الحوكمة النيوليبرالية، تجاوزت الانتفاضة تعبيرها الأوليّ وجسّدت أشكال متفرّقة وجريئة من المعارضة غير المنظّمة، التي راحت تنتشر في الأماكن التي دنّستها يوماً شبكات الفساد ورأس المال الوهمي. لم يهمّ ما إذا كانت الظروف المادية أللازمة لتحفيز الزخم الثوريّ موجودة أم لا. في الحقيقة، كانت انتفاضة تشرين بادرة صناعة عالم جديد، ومشروع لنبذ عقود من خداع جثّة الطائفية اللبنانية العفنة للعامّة، وتفكيك البُنى والأجهزة التي أضفت طابعاً منهجيّاً على سنوات من عنفٍ نفسيٍّ واقتصاديٍّ لا يطاق. ولكن بحلول آذار مارس ٢٠٢٠، وصلت الانتفاضة إلى مرحلة حرجة: بدأ الدعم الجماهيريّ يتضاءل، وحلّت خيبة الأمل. ثم جاءت جائحة كوفيد-١٩ والأزمة الصحيّة العالميّة التي تسبّبت بها مزعزعتاً الانتفاضة وجاعلتاً الحقّ في التجمّع والوجود الجماعيّ غير ممكناً. فرضت الدول الأحكام العسكرية وأغلقت الطرقات العامّة والمطارات والحدود؛ أُمِر الملايين بعزل أنفسهم في حين لقي العمّال الذين اعتُبروا «ضروريّين» للاقتصاد حتفهم في أروقة المتاجر والحافلات المكتظّة. انهارت أنظمة الرعاية الصحيّة تحت وطأة تدفّق المرضى الذين لم تَحسب لهم حساباً، ولم تتمكّن من تشخيص طرق عمل فيروس جديد لا يزال فهمه بعيد المنال عن الإطار المعرفيّ للطبّ الحديث. في مقالة رصينة ظهرت في مجلة «فيو بوينت» – ((Viewpoint، يجادل سالار مهندسي بأنّ «الماثل أمامنا ليس مجرّد جائحة، بل العديد من الأزمات المتداخلة»[5]. معتمداً المنطق العكسيّ لدمية ماتريوشكا الروسية ـ حيث تكشف إزالة كلّ دمية عن أخرى أكبر وأكثر شمولاً منها ـ يعزّز حجّته بالقول: «كان لهذه الأزمة آثار كارثية، تحديدا لأنها فجّرت أزمة عضوية نيوليبرالية كمنت وراءها. والأخطر من ذلك، أنّ هذه الأزمة مرتبطة بدورها بأزمة هيكلية للتكاثر الاجتماعيّ الرأسماليّ طويلة الأجل. وتتجلّى هذه الأزمة الهيكلية بدورها، في أزمة تاريخية أعمق للحياة على الكوكب»[6].

إلى أين يقودنا ذلك إذاً؟ يمرّ لبنان اليوم بأسوأ أزماته الماليّة والاقتصاديّة في الذاكرة الحديثة. كنّا على علمٍ بأنّ هذا البلد سينهار في النهاية؛ فقد تمّ بناؤه في نهاية المطاف بصورة وحشِيّة ليتواجد مع الخراب والنفايات. ومع ذلك تميل الأزمة، والظروف والأعراض غير المحدّدة الناتجة عن تجسّدها، إلى رمي ما عرفناه خارج نفوسنا. بينما يستمرّ انهيار قيمة الليرة اللبنانية لتصبح عملة مُجازة فاشلة، وبينما يلوح التهديد المروّع للتقلقل الذي لا يمكن التغلّب عليه، نجد أنفسنا متروكين للتمسّك بالمعنى. لا تجيز لنا الأزمات الحالية وتعليقها المشلّ للمعرفة «ابتكار إمكانيات للتحرك عبر الزمن أو الى الأمام»[7]، وتقضي على احتمالات «مواجهة الماضي والتكهّن بالمستقبل وتفسير الزَمنين بطرق تتعارض مع المنطق السليم للزمن الحالي»[8]. تحقيقاً لهذه الغاية، ومن أجل التفكير عبر إطار تأسيسي يوجّه المساهمات الخمس التي قمت بتكليفها لمنشور «مركز بيروت للفن»، فقد حدّدتُ خمسة «أعراض مرضيّة» مختلفة، سواء كان أصلها مرضيّ أو أيديولوجيّ ماديّ، والتي أشعر أنّها وليدة الأزمات المتداخلة هذه ومن الملحّ معالجتها، وهي:

العدوى: لأنه في ظلّ الجائحة، فإن تلاقي الأفراد وشكل تنظيم المجتمع يتنظّمان بناء على اعتبارات مناعيّة[9]؛ المحروميّة: فحيث تشكّل البطالة الواسعة النطاق الوضع الطبيعي الجديد، لا مناص للمحرومين من اختلاق ذاتيّة ثوريّة جديدة؛ البارانويا: حيثما يتكاثر الارتباك المعرفيّ، فإن الارتياب والمُريَة تثريان قواعد المعيشة وأساليب التعبير السياسي؛ الكبح: لأنّه مع استئصال «الفائض الليبيدي»[10] من الاقتصاد،  تشكّل الحاجة الأساسية عاداتنا ورغباتنا الجماعية؛ و أخيرا الإبْهام: لأنه عندما تهندس السلطة السيادية وسائل  حديثة للسيطرة، تهمّش مصادر المعلومات والأشياء المعرفية الواضحة أو تصبح أكثر غموضاً.[11]

ترجمة: صفا حمزه


[1] حزيران ٩ تغريدة @DBGerrard ـ مستخلصة من: https://twitter.com/DBGerrard/status/1270134800519700481

[2] Amy Wendling, Karl Marx on Technology and Alienation (Palgrave Macmillan, 2009)

[3]   Achille Mbembe, “The Universal Right to Breathe” (trans. Carolyn Shread), Critical Inquiry (April 13, 2020)

[4] Achille Mbembe and Janet Roitman, “Figures of the Subject in Times of Crisis” in Public Culture, Volume 7, Issue 2 (1995, Duke University Press)

[5]  Salar Mohandesi, “Crisis of a New Type”, Viewpoint Magazine (May 13, 2020).

[6] المصدر نفسه.

[7] Elizabeth Freeman, Time Binds: Queer Temporalities, Queer Histories (Duke University Press, 2010)

[8] المصدر نفسه.

[9] انظر Liane Tanguay, “Imagined Immunities: Abjection, Contagion,and the Neoliberal Debt Economy” in Lateral Journal of the Cultural Studies Association, Issue 7.1 (Spring 2018)

[10] Keti Chukhrov, “Letter Against Separation – Keti Chukhrov in Moscow: Five Inexplicabilities of the Pandemic”  in e-flux conversations (May 1, 2020)

[11]  انظر Jane Caplan, “Illegibility: Reading and Insecurity in History, Law and Government” in History Workshop Journal Issue 68 (2009, Oxford University Press)

ص.د.ى

         “أخبروهم بأننا كنا نطير، إذا ما سألوا. تكمن معارف الحرية في ابتكار المهرب، في استراق فاصل من الحدود والهياكل. هذه هي الحقيقة التي تهمسها أغنيات أولئك الذين من المفترض أن يبقوا صامتين.”

من:       Undercommons: Fugitive  Planning and Black Study لفريد موتين وستيفانو هارني.

     بدأت أتأمل، بعد شهرين أو ثلاثة أشهر من بدء الحجر الصحي الذي أتى مع انتشار فيروس كوفيد-١٩، التعليقات التي راحت تنتشر على مواقع التواصل الإجتماعي، غالبًا على شكل نكتة أو طرفة. لا أتذكر هذه التعليقات بالحرف، إلا أن موضوعها كان زقزقة العصافير وأصواتها، هذه الأصوات التي طرب لها الناس في بداية الحجر، أصبحت فيما بعد صاخبة ومزعجة. شكلت تلك الزقزقات في البداية، مناخًا صوتيًا مُرَحّبًا، يخرق الصمت المزعج والسكون المريب للعالم، إلا أنها ما لبثت أن أصبحت صاخبة ومزعجة إلى حد لا يحتمل. لم تزقزق الطيور بصوت أعلى من المعتاد، بل أنها كانت أكثر هدوءًا من ذي قبل، لكنها ذكرتنا، بأننا طالما قدرنا على سماعها، علينا أن نبقى في العزلة، وفي الحجر، وفي الثبات. كان العالم ساكنًا، إلا أنه لم يصمت يومًا.

عندما غابت الأصوات المعتادة، ظُن بأن ذلك هو الصمت، إلا أن هذا الغياب، سمح لأصوات أخرى بأن تظهر وأن تتعظم. سُمعت، عندما كانت تدابير الحجر في أوجها في لبنان، أصوات المروحيات تطوف فوق العاصمة، وأصوات مذيعي الأخبار وهي ترتجي من الناس البقاء في البيوت، وأصوات سيارات الإسعاف وهي تجوب الشوارع الفارغة، وأصوات القدّاس الأسبوعي التي بدأت تُبَثُ من سيارات وشاحنات تدور في المناطق، وهمهمات موتورات الكهرباء، التي تعوّض عن شبكة الدولة الكثيرة الإنقطاع في وقتها، والغائبة تمامًا حاليًا. يلعب المنطق المعماري والمدني للمدينة دورًا هامًا لجهة توزيع الأصوات التي نسمعها، كاشفًا عن علاقة ثلاثية معقدّة، بين المباني، والسياسة، والظواهر السمعية.

تزامن انتشار فيروس كوفيد-١٩ في لبنان، مع حدث معلمي آخر، بدأ قبل بضعة أشهر، في تشرين من العام ٢٠١٩. انتشرت الجموع الغفيرة في المدن والبلدات والقرى اللبنانية خلال الأشهر الأربعة الأولى من الثورة، ناشرة معها صرخات من أعماق الغضب والوجع والقهر المزمن، الذي سببته الطبقة السياسية الحاكمة المجرمة. شَغَلْنَا الفضاء العام في هذه الشهور ليلًا نهارًا، مالئين الساحات والشوارع بأصواتنا وهي تهتف وتغني، وبالطناجر وهي تقرع في الليل، وبأغاني الثورات القديمة والجديدة وهي تصدح من مكبرات الصوت العملاقة، وبالحفلات في الهواء الطلق، والرقص العفوي، وحلقات النقاش والخطابات المباشرة. واجهت الثورة في هذه الأيام مقاومة عنيفة، بأسلحة متعددة منها الرصاص والقنابل المسيلة للدموع ورشاشات المياه وغيرها من معدات الشرطة والعسكر التي هدفت، كما أصواتها العالية، للسحق والبتر والأذى. غمرت الساحات أصوات متباينة ظلت تتردد في آذاننا وقتًا طويلًا، وظلت توقد حماسنا للرفض، وكل تجلياته الصوتية.

كان لفيروس كوفيد-١٩ في لبنان أثر مضاعف، إذ تزامن وصوله مع إحدى أبرز الثورات الشعبية في لبنان، ليخرج على إثره الآلاف من الشوارع والساحات، عائدين إلى منازلهم، في وقت مفصلي من الثورة.  قد يبدو هذان الحدثان متناقضان لجهة درجات الصوت في كلّ منهما، إلا أن التضاريس الصوتية التي صدرت عنهما، تتصارع تباعًا، لإرساء الحكم والتحكم، سواء عبر الإسكات، أو بث الرعب، أو التخويف، أو عبر محاولة السيطرة على الفضاء العام من خلال الذبذبات الصوتية والموسيقية.

ينطلق المشاركون الخمسة في هذه السلسة من نقاط بحث تُسائل انتشارات الموسيقى والصوت، وتخصيصها، وتردداتها. يصبح الفضاء المعماري، أو الفضاء المحسوس والمبني بيتًا للذبذبات. يشرح الكاتب والمؤلف الموسيقي محمد صفا ذلك في أولى نصوص السلسلة، باحثًا في كيفية تشكيل الترددات إدراكنا ووعينا للفضاء المدني، وهذا الفضاء المادي لا يقتصر على ما هو مبني فقط، بل يتمدد ليبلغ الإشعاعات الكهرومغناطيسية لموجات الراديو. يحرك الراديو، وغيره من الأدوات اللامادية المذكورة في نصوص هذه السلسلة، مميزات الثقافة السمعية المحلية وخصائصها الفريدة، في المنطقة والعالم.

بدأ الراديو في لبنان، كما في فلسطين مع الإستعمار. يشرح الفنان أرجونا نيومان، والفنانة لور دي سيليس، والقيمة ريتشيل ديدمان، في حوار معنون [1]“The Colonial voice” أو “الصوت الإستعماري”، على راديو  Earth Hold، كيف بث الإنتداب البريطاني صوته الإستعماري عبر الراديو، والطرق التي استخدم عبرها الفلسطينيون الراديو كأداة مقاومة، وكيف قمعت الجهات المستعمرة محاولات المقاومة تلك. شهدنا في فترة الحجر المنصرمة، طفرة في محطات الراديو الرقمية في العالم العربي، في مدن مثل بيروت وعمان وبيت لحم وتونس. أصبحت هذه المحطات، في ظل الحدود التي تتحكم بالناس وتصعّب التواصل بينهم، متنفسًا مهمًا للسمع والتبادل الصوتي في المنطقة، إذ تحررت من قيود إذاعات الراديو التقليدية وضوابط الدول والشركات الخاصة التي تتحكم بفضاء الـFM. راديو الحارة، الذي يبث من عمان، ورام الله، وبيت لحم، هو واحد من هذه المحطات التي ظهرت في فترة الحجر، وسرعان ما أصبح موقعًا للإحتجاج والمقاومة، إذ استمر ببث حي، طوال أربعة أيام، تحت عنوان “في المشمش”، ردًا على مقترح اسرائيل لضم أجزاء إضافية من الضفة الغربية. جمع هذا الحدث، منسقي موسيقى من المنطقة والعالم، وصدر عنه مقطوعات موسيقية، وأصوات مسجلة، وأغانٍ احتجاجية، وغيرها من المقاطع الصوتية. أصبح هذا الراديو موقعًا للإنشقاق والرفض، إذ أوصل، عبر الموسيقى والصوت، رسالة جماعية راوغت اذاعات الراديو التقليدية، والوسائل الإعلامية بشكل عام. أتاح انتقال الاحتجاجات من الفضاء المكاني إلى فضاء الراديو، إعطاء المجال لاتساع التضامن في كل البلدان المتحدثة بالعربية، بدأنا نرى، أو بالأحرى نسمع، هذا التضامن في كل أنحاء العالم العربي، كما سمعناه قبلًا في شوارع بيروت، عبر الأغاني والهتاف.

ولعل الراديو، أو البث والترابط الصوتي، أو الغناء والأغاني، كما تظهر في هذه السلسلة، تصبح كلها مواقعًا نستطيع منها أن ننطلق نحو قوة سياسية تأسيسية تدفعنًا لأن نرص صفوفنا بشكل أفضل.

ترجمة: حسين ناصر الدين


[1]  كان هذا البث بتكليف من معرض قلنديا الدولي الرابع في فلسطين، ٢٠١٨.

ر.ق.م

 بُثَّت الحلقة الأولى المعنونة “Arrival” أو “وصول” من مسلسل الخيال العلمي البريطاني “The Prisoner” أو “السجين” على قناة ITV في أيلول من العام ١٩٦٧. كانت شارة البداية عبارة عن مونتاج صاخب يبدأ بسماء ملبدة بالغيوم، ورعد، يتبعها مشاهد لسيارة رياضية تخترق حلبة السباق مسرعة، ثم تتوجه بجنون نحو الكاميرا. تتوالى اللقطات السريعة بعد ذلك لترينا رجل بلباس رسمي يقود في لندن، فيتخطى البرلمان بسيارته ثم ينعطف نحو مبنى تحت الأرض. يمشي الرجل بعد ذلك وكأنه جيمس بوند في نفق مظلم، وظله الطويل خلفه، ونسمع في الخلفية موسيقى إيقاعية. يقتحم بعد ذلك مكتب يبدو أنه مكتب مديره في العمل، ثم يتشاجران في صراخ غير مسموع. يرمي الرجل بعد ذلك ورقة استقالته في وجه مديره، ويخرج من المبنى بسيارته منتصرًا.

نرى في الشارة بعد ذلك، مشاهد لنفس الرجل، الذي يلعب دوره باتريك ماكجوهان (وهو أحد صُنّاع المسلسل)، وهو يقود سيارته وتتبعه سيارة حانوتي سوداء، ثم نرى مجموعة من اللقطات فيها ماكينة بيروقراطية توثق ورقة استقالة الرجل، لنكتشف أنها آلة كاتبة تضع أحرف X متتابعة على صورته، ونرى بعد ذلك مشهد عريض لصفين من خزائن مستندات يمتدان إلى ما لا نهاية، تمتدّ من بينهما ذراع إلكترونية تحمل ورقة الاستقالة التي تشبه البطاقة المكتبية، وتضعها في درج يحمل عنوان: “المستقيلون”. يصل الرجل بعد ذلك إلى بيته، فيضع مسرعًا جواز سفره في حقيبة السفر، محاولًا الهرب بسرعة من الحانوتي الذي يلاحقه، إلا أن محاولته تفشل، إذ يضخ الحانوتي الغاز المنّوم  في البيت، فيغيب الرجل عن الوعي.

نرى الرجل يستيقظ بعد ذلك في مكان يشبه مكتبه، في مكان يسمى “القرية”، حيث يتلقى اتصالًا هاتفيًا يبلغه بأن “الرقم ٢” يريد أن يراه في القبة الخضراء.

في القبة الخضراء ،وهي المركز الإداري للقرية، يسأل مدير العمليات الملقب بـ “رقم ٢”، الرجل مناديًا إياه ب”رقم ٦”، عن دوافع استقالته. بعد التهديد والوعيد، وبعد علمه بأن المدير قد خبأ ملفًا فيه معلومات شخصية عنه، يقف “رقم “٦، بطلنا، ويقول: “لن أبرم أي صفقة معكم، لقد استقلت! لن تجبروني على تعبئة استمارات، ولن تضعوا عليّ أختام، ولن تؤرشفوني، ولن تختصروا حياتي، ولن ترقّموني! حياتي ملكي أنا!”، ثم يعيد ويقول بعد ذلك في مشهد آخر :”أنا لست رقمًا، أنا إنسان”، وهو قول يتكرر في العديد من الأحيان في المسلسل.

لطالما طارد الخوف من أن يصبح المرء مجهولًا، أو مُطابقًا، أو مجرد رقم، الأعمال الأدبية والسينمائية، لكننا نستطيع أن نقول بأن أبرز تجليات هذا الخوف، ظهرت بقلق في الأفلام التي تتناول سرقة الهوية، ومحو الذاكرة، وغسيل الدماغ، وتبادل الأجساد، في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كفيلم جون فرانكنهايمر عن ضابط في الجيش الأميركي يتم غسل دماغه في الحرب الكورية لكي يخترق الدهاليز المغلقة لواشنطن، أو كفيلم (Seconds(1966 أو “ثواني” (١٩٦٦) الذي يسرد حكاية موظف البنك الخمسيني الذي يوقع على اتفاق يضمن له هوية جديدة، وهو أيضًا من إخراج فرانكنهايمر.

يبدو لنا، أن الفرد، في هذه الأفلام، دائمًا ما يكون محور هذه التقنيات والتكتيكات في العد، والإحصاء، وإخفاء الهوية، والترقيم والأرشفة والمحو والتبديل، سواء كان ذلك بسبب الرتابة الوظيفية، أو هستيريا الخوف من العملاء والجواسيس السوفييت، أو الفضائح السياسية المعقدة إلى درجة المؤامرات.

ماذا في الإسم؟ وماذا في الرقم؟ ما الذي يعنيه أن يكون المرء مرقمًا، ومحسوبًا ومحتسبًا، في عالم تملؤه أدوات تعريف وحوسبة، تديرها أطراف حكومية وغير حكومية، مضيفةً عليها قوالب خوارزميات تجارية لكي تحتسب قيمة الإنسان، ولكي تلاحقه، وتفرض عليه ذوقه، واعدةً إياه بنفس الوقت، بالتفرّد المطلق. ماذا يعني كل ذلك عندما يحدث في الوقت الحي؟

تدعوا هذه التساؤلات، بالإضافة إلى تسليطها الضوء على الرقم كغرض رياضي، والإحصاء كطريقة للحكم، العديد من الفنانين والكتاب، إلى التفكير بأساليب الإحصاء والعد وأشكالهما المتعددة في أبعادها السياسة ضمن خمسة تصنيفات وهي:  علم الإحصاء، ودراسة الجموع، والقياس، والإقتصاد، والتواتر أو الإيقاع.

اعتاد الكثيرون منا في الأشهر القليلة الماضية، على سماع نوعين مُقلقين من الأرقام والنِسب، أولهما سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، السعر الذي يحلّق الآن عاليًا، بعد أن كان قد ثُبت على ١٥٠٠ ليرة مقابل الدولار الواحد في العقدين الماضيين. أما النوع الثاني من الأرقام المُقلقة، فهو أعداد مصابي وضحايا فيروس كوفيد-١٩ في المدن، والولايات، والبلاد، والعالم. صرنا ننظر للرسوم البيانية، وللمنحيات، محاولين “تسطيحها”. نحاول أن نستخلص الأرقام المكبوتة، وأن نقاوم كي لا نُعد،  وأن نُحصي ونُسمي، ما هو غير مُسمى وغير مُحصى. يمتد تاريخ الأرقام والإحصائيات وتحديد الكم على جغرافيات وأدبيات مختلفة، من الإستعمار إلى الفرينولوجيا، ومن إدارة الحشود إلى الإحتجاج عبر التصميم المدني، ومن البارومترات الإقتصادية التي تعبر عن ” حال الأمم بالأرقام والأوقات”[1]، إلى درجات الإئتمان.

يتسّع عالم الأرقام ويكبر، وتُقابَل الشركات والمؤسسات التي تُصدر هذه الأرقام بالشك أو بالإبتهاج، من طرفي السلم السياسي المتناقضين. لنأخذ فحص النسب الجيني مثلًا، الذي طوره محسنو النسل الليبراليون، واعدين الناس بأن “يكتشفوا أنفسهم”، عبر إطلاعهم على خريطة نسبهم الجيني وعلى أسلافهم، وعلى “النموذج العرقي” الذي يقول للشخص، من “أين” يأتي نسبه وبأي نسبة (كأن تظهر نتائج الفحص بأن الشخص مثلاً، يأتي بنسبة ٥٤٪ من أوروبا، و٢٨.٦ ٪ من بريطانيا وأيرلندا, و ٪ ٠.٨ من آسيا الغربية أو أفريقيا الشمالية…) يصبح هذا الفحص، بمثابة تركيب للذات عبر النسب المئوية.

لجأت المرشحة الديمقراطية لرئاسة الولايات المتحدة، إليزابيث وارن، في حركة سياسية غير موفقة، إلى القيام بالفحص الجيني، عبر شركة 23andMe (التي توزع معدات أخذ اللعاب والعينات في كل صيدليات الولايات المتحدة)، لكي “تثبت” بأن لها أسلاف أميركيون أصليون.  كيف نحلل أذًا، مخاطر وإمكانيات الأرقام، واستخداماتها في عصر “ما بعد الحقيقة”؟ كيف لنا أن نبتعد عن الالتصاق الأعمى بداتا الأرقام ووعودها، وعن أدبيات العلوم الإنسانية والإجتماعية التي نقلت لنا نظرة عن الأرقام والممارسات الإحصائية على أنها “هياكل إجتماعية”، وأنها ملك للدول والسلطات ولا أحد غيرها. [2]

لا تسعى  هذه التساؤلات لأن تضع نظريات الأرقام، والإقتصاد السياسي، وتدقيق الحسابات والقياسات العادية على نفس الكفّة، ولا تسعى كذلك لكي تخلق خطة لا تاريخية ولا شكلية للأرقام، بل تحاول، أن تميّز وتحلل بعض التقنيات والطرق والتطبيقات التي تستخدم عبرها الأرقام، لكي تتلمّس بدايات الإحصاء والتعداد في العديد من المجالات، كالحُكم، والمجال العام، والموسيقى. تُعتبر هذه التساؤلات دعوة مبدئية للتفكير بالأرقام، وللتفكير عبرها، سواء بهدف فهم قوة الجموع، أو لفهم التفكير المعادي لها، والذي يعتبرها، “كتل”، أو “حشود”، أو لفهم ونقد الدين العام ونسبته للناتج المحلي، وتأثير ذلك على الأمم واقتصادها. تدعوا هذه التساؤلات القرّاء  لكي يفكروا بالممارسات السياسية والفنية المحلية والعالمية المشتملة على الأرقام، ولكي يفكروا أيضًا، بطرق لإنشاء معجم، بالعربية والإنكليزية، للبدء بتحليل العالم المعقد للأدوات الإقتصادية، والمقاييس الصحية، والممارسات المؤسساتية التي تحصي وتنظّم.

ترجمة: حسين ناصر الدين


[1]Slobodian, Quinn  Globalists : The End of Empire and the Birth of Neoliberalism. كامبريدج، ماساشوستس، مطبعة جامعة هارفارد، ٢٠١٨. ص.٦٧. لمناقشة حول “البارومترات الاقتصادية” ودور الصور البيانية في الإقتصاد انظر فصل ٢: “A World of Numbers”.

[2] لنقد حول حدود الهيكلة الاجتماعية أنظر: Hacking, Ian The Social Construction of What? كامبريج، (order/direction)  مطبعة جامعة هارفارد، ١٩٩٩. لنقد حول ممارسات السلطة الإحصائية والحسابية وتاريخ الأرقام والإحصاء وتشكيلها للـ”جدل السياسي العام” في بريطانيا القرنين الثامن عشر والتاسع عشر،  أنظرDeringer, William Calculated Values: Finance, Politics, and the Quantitative Age  كامبريدج، ماساشوستس، مطبعة جامعة هارفارد، ٢٠١٨.

إذا سمحت الأحوال الجوية…

العدد الأول من «المُشتَق»

نطلق اليوم العدد الأول من «المُشتَق» والذي من المُخطط له – إذا سمحت الأحوال الجوية – أن يغدو إصداراً نصف سنوياً، ينبع من احتياجنا للاشتراك في التفكير بل وفي الشعور أيضاً. لقد وجّهنا الدعوة لثلاث محرّرات/ين اقترحنا على كل منهن/م جذراً ثلاثياً، نستشرف فيها مفاتيحَ مقبوضة، عسى أن تفُضَّ لنا اشتقاقاتها ما أحاط بنا من عُقدٍ. نتأمل في مَجمع تلك الانفراجات معالمَ دربٍ ما، قد يُفضي إلى حل سلسلة من أعسر المعضلات وأكثرها إلحاحاً. ما معنى مثلاً أن تتردد على لسان طفلة عمرها سبع سنوات أصداء كلمات عمرها 400 عاماً؟ ما هي معالم ذواتنا وقتما ننتظم في أشكال جمعيّة مغايرة، حتى لا يجوز فصل الواحد منا عن الآخر، وما هي أشكال القانون والمراقبة الجديدة التي سوف نخضع لسطوتها؟ كيف نرى أجسادنا، حينما  لا يعني العناية بصحّتنا إلا ضمان حماية المستضعفين منا؟

1 – اعتقل 1……. واجه 100

“ما تخلّوهن يستفردوا فينا.” هكذا يحذّر المتظاهرون بعضهم البعض، كي لا يتأخّر أحدهم عن الحشد وحتى يرتصّ الجميع، تجنّباً للتعرّض للاختطاف من قِبل الدرك أو الجيش أو الزعران.

يوم 16 تشرين الثاني 2019، يقف سامر بين حشد من الناس على جسر فؤاد شهاب المعروف باسم “الرينغ”. وكما اقتضت العادة، قطع المعتصمات/ون السير على الجسر، وصرن/صاروا يهتفن/ون رفضاً لإخلاء الطريق إلى أن تتحقّق مطالبهن/م بالعيش الكريم والتحرّر من عقودٍ من الفساد والنهب الممنهج. وكما اقتضت العادة أيضاً، تندسّ عناصر مخابرات الأمن والجيش في ثيابهم المدنية بين المتظاهرات/ين، ن محاولين  غرس البلبلة بين صفوف الحراك.

يقرّر سامر ورفيقه علي، وقد ساورتهما المخاوف حول تردّي الوضع، أن ينفصلا عن الحشد وأن يعودا أدراجهما إلى منزليهما. وبعد أمتار قليلة وعلى الطريق المؤديّة إلى حيّ الجميزة، يعترض طريقهما رجال مخابرات الجيش في ملابسهم المدنية، وسرعان ما يغيبان عن أبصار رفاقهما على جسر الرينغ. سرعان ما أصيب علي بكسر في ظهره من جراء ركلة استهدفت عموده الفقري، بينما اصطفق وجه سامر بأسفلت الطريق. هكذا بدأت وقائع الشدّة التي تعرضا لها على مدار يومين اثنين، إذ عصبت عيونهما قبل أن يتم اختطافهما وضربهما وإهانتهما وتهديدهما بالسلاح مراراً وتكراراً. درس عسير تعلّمه سامر وعلي وغيرهما الكثيرون، عن المعنى الحقيقي للعُصبة وقوة العدد. وحقاً، أدرك الحراك سريعاً أنه طالما هو كتلة يتعذّر تمييزها، فإن العزة لها، وبمجرد انفصال المتظاهرات/ين عن الحشد، أفراداً أو زرافات، صرن/صاروا ضعفاء يسهل استهدافهن/م.  

لا يسع كلاب السلطة إلا استهداف مَن يعتقدون في زعامتهن/م: أي أولئك ممن تتبادلن/يتبادلون دور ترديد الهتافات في قلب الحشد. ولما كانت قوة ما تتلفظ به الجماعة هو أصلاً سبب تمييز هؤلاء الأفراد، فإن المتظاهرات/ين تضخّمن/يضخمون صوت الجماعة عند كل حادثة توقيف أو خطف أو استدعاء أو تحقيق. وبمجرد إطلاق سراحهن/م تعدّن/يعودون إلى صفوف الحشد وتذكرن/يذكرون كيف كان صوت الجماعة يخترق جدران المخفر أو المحكمة فيصل إليهن/م. كم كانت تبث في أنفسهن/م الطمأنينة، وكم كانت تخل بتوازن السلطات تلك الهتافات التي تذكّرهم بأن من اجتُثَّت من وسط الجماعة تنتمي لجسد أكبر: “اعتقلوا واحد، بينزل مية” يهتفن/ون، و”مش خايفين مش خايفين اعتقلوا كل المعتصمين.”

2 – هتاف… رَجْع

ثم نتابع أخبار النضال القاصي والداني، نضال يعيد تأجيج قلوبنا في اللحظة التي نشعر فيها بانطفاء جذوتها.نضال قديم، نابع من تاريخ أكثر ظلماً وظلاماً وقهراً. لا تبث تلك الأخبار في نفوسنا أملاً وصموداً فحسب، وإنما تجعلنا نمعن النظر في أنفسنا، وفي إخفاقاتنا وفيما جهلناه. نتواصل مع رفاق يفصلنا عنهم المحيط، ونتعلّم منهم دروساً ثمينة. لا يكون التضامن بالعبارات الفارغة، بل إن ثمة الكثير مما ينبغي عمله. ثمة حياة سود مهمة هنا أيضاً، ثمة حياة فلسطينية، ثمة حياة سورية، حياة عراقية…

في الرابع من حزيران 2020 انطلقت مسيرة في بروكلين احتجاجاً على مقتل جمال فلويد، وهو رجل أسود في الخامسة والثلاثين من عمره مات مختنقاً بعد أن رشّه السجانون في مركز احتجاز متروپوليتان برذاذ الفلفل في زنزانته. تقف وينتا-أمور ذات الأعوام السبعة أمام مركز الاحتجاز، صوتها الرنان ينضح من جسدها الضئيل: “ردّدوا اسمه” فيأتيها رد الحشد الهادر. في داخل مركز الاحتجاز، يبدأ الموقوفون في الطَرقِ على قضبان زنازينهم. تسمع وينتا طرقهم: “هل تسمعون الطارقين؟” يصدح سؤالها، “إنهم ينشدون الحرية.”

“ردّدوا اسمه” هتافٌ يرفض أن تذهب أرواح ما لا يُحصى من السود الذين قُتلوا بأيدي الشرطة، من دون أن تتجاوز كونها إحصاءات مجهولة. ولكن، كيف لنا أن نوَفّق بين ضرورة التفرّد هذه – أي تسمية كل فرد قُتِل من جراء وحشية الشرطة، ورد آدميتهم إليهم بعد أن ذبحوا كالبهائم، وإحصاءهم على نحو لا يخلو من الهوس – وبين حقيقة أن كل من هذه الوفيات تمثّل حياةً اجُتُثَّت من أسرة وجماعة، حياةً كتبت نهايتها يد تفرقة عنصرية ممنهجة، ودمرتها ماكينة تقمع حياة السود منذ قرون؟

يقول عضو سابق في حركة «الفهود السود» أطلق سراحه حديثاً بعد أن أمضى قرابة الخمسين عاماً في السجن، وقد أثارت مشاعره مشاهدة مقطع الڤيديو الذي تظهر فيه وينتا-أمور: “إنه ألمٌ عمره 400 عاماً، وها هو يعبُر من خلال هذه الطفلة الصغيرة.”

3- شو بدنا نحكي لنحكي؟

يظل تبادل الحديث مع سائقي السرڤيس أسرع وسيلة لتحميل الأخبار، فهو من دون شك أسرع من أي إنترنت في هذه المدينة. وفي هذه الأيام، يحقق أي تعاطي مع آدمي آخر الغرض نفسه. على سبيل المثال، فإن المشي من بائع القهوة إلى الحلاق على بعد شارع واحد يوفر لي العناوين الرئيسية: سعر صرف الدولار وعدد حالات كوڤيد-19 الجديدة وما نقِصَ من قائمة الدعم الحكومية ومعدّل انقطاع الكهرباء المثير للجنون والغلاء المستحيل…

إن نطاق البطش المتاح تحت تصرف النظام لهو واسعٌ وِسعَ الجحيمِ نفسه. من الروتين المضجر وصولاً إلى الدموية، يستنفذ وقتنا الثمين في ازدحام المرور وبيروقراطية الدولة، بينما يرتكب مجازر جماعية. يعجز عن تأمين مياه الشرب، بينما يُغرِق منظومات بيئية بأسرها من أجل أن يضع يده على المزيد من الأراضي. يحبسنا في مدن ملوثة لا نَفَس فيها، بينما يشوّه سلاسل جبلية عتيقة من أجل استخراج الأسمنت. يفضي بنا إما للانتحار أو للإصابة بالسرطان، ويردينا قتلى على الطرقات إن تجرأنا على المطالبة بعيش أفضل.

كيف لنا أن نخاطب هذه الحملة الشعواء على كرامة الإنسان وغير الإنسان؟ كيف لنا أن نتناول عواقبها، بعيداً عن رصد الحال قهراً اليوم تلو الآخر، وبعيداً عن إحصاء سائق السرڤيس لحقائق مؤلمة صارت عاجزة عن التعبير عن عمق البطش؟ كيف لنا الوقوف على هذا كله، بعيداً عن اللجوء للحقائق والإحصاءات؟ وكيف لنا أن نقوم بكل هذا من زاوية خصوصية السياق، ونحن قادرون على العبور للتضامن مع نضال شقيق؟

هكذا يأتي «المُشتَق» سلسلة من التجارب في أنماط خطاب تشتبك وهذه المُعضلات. وجّهنا الدعوة لكل من إدوين نصر وريّا بدران وهشام عوض لتحرير العدد الأول، ومن ثم أطلقنا صيرورة قوامها تشكيلة من القراءات المشتركة والنقاشات الجمعيّة تتناول ثلاثة اشتقاقات: فرد وصدى ورقم. استكتبَت/استكتب كل من المحررات/ين خمس مساهمات/ين، فأتين/وا بنصوص تباينت أجناسها. وجهن/وجهوا الدعوة أيضاً لفنانة/فنان (أو خمس دي جيه في حالة إدوين) لتناول الثيمة في أشغال فنيّة تصاحب الكتابات المنشورة. وضع أيمن حسن (ستوديو زُمرة) واجهة تعكس هذا الاشتباك والفضّ، كما تقدم بمقترح لكيفية القراءة، يتيح تراكما وحراكاً متدرجا للنصوص الأسبوعية، وذلك من خلال عدة مفاهيم محورية. 

لابد لنا من أن نهشّم وأن نهدم المرّة تلو الأخرى. ثمة الكثير الذي ينبغي المحاربة من أجله والدفاع عنه، على الرغم من كل ما سلبوه منا. لكننا إن لم نُعمّر ملاجئ تؤوينا على درب طويل، طويل كدربنا، إن لم نخلق مساحات نشترك فيها في التفكير وفي الوجود ونستلهم فيها بعضنا البعض، بل ونستمتع فيها مع بعضنا البعض، فقد خسرنا نصف معركة النضال بالفعل. وما هذه إلا محاولة متواضعة لوضع حجر الزاوية لجماعة في اتّساع مطرد، حضورها الروحي مقرون راهناً بالشبكة العنكبوتية، بانتظار أن نلتقي وجهاً لوجه مجدداً.

ترجمة: محمد عبد الله

المشتق: نشرة جديدة لا مناسبة لها

المُشتَق: هي نشرة الكترونية فكرية ثقافية، لا مناسبة لها في ظل هذا الوضع الراهن المنهار في لبنان سوى أنها جزء طبيعي من عملنا في مركز بيروت للفن، ولأننا نردد دائما وخاصة في الأشهر الأخيرة أننا نعيش في ظروف استثنائية طارئة، أصبح الطارئ هو الميزة الطبيعية لعملنا في هذا البلد. تأتي هذه النشرة الدورية كمساهمة في إنتاج معرفي وفكري يتمعن بالقضايا الثقافية لمنظومة اجتماعية سياسية، وقضايا تأزم الإنسان في ظل المحاولة الدائمة من النظام الرأسمالي أن يحدد طرق حياتنا ومصائرها من جهة، وفي ظل محاولة التّوق الى السعادة أو حياة أفضل للفرد أو للجموع المنتفضة من جهة أخرى.

المشتق في اللغة العربية اسم أُخذ من فعله، ومن غيره، وله أصل يرجع اليه، أي له جامد لكي يُشتقّ عنه ويتفرع منه. والتفرعات أو المشتقّات لها قواعدها ومساراتها وأنواعها، من تفضيل وتشبيه وصفي وغير وصفي وما دلَّ على معنى وانشق عنه. لهذا أردنا لهذه النشرة الدورية منهجية واضحة تنطلق من جذر الكلمة الاسم الى مشتقّاته وتفّرعاته.

في كل دورة من هذه النشرة سيكون هناك ثلاثة محاور؛ أي ثلاث كلمات ننطلق منها لنناقش ونساءِل كل ما يشتق عن هذه الكلمة من مواضيع وسجالات فكرية ثقافية. والمشتقّ عن الجذر يعني الزيادة على المعنى وتفرعه في اتجاهات تحاول ان تساءل وتطال المعنى الفكري النقدي الاشمل لهذا الجذر، أي لهذه الكلمة المؤلفة من ثلاثة أحرف. كلمات نسمعها مرارا وتكرارا ونكررها بشكل يومي في أدبياتنا ونقاشاتنا، هدر، قلق، هدم، عمل …

تتطرق هذه النشرة الدورية، النصف سنوية ، الى مواضيع لها علاقة بالممارسة المجتمعية من زوايا تفكيك خطاب السلطة وفهم جوانب وسياقات واقعنا بعد إنتفاضة، وانهيار إقتصادي، ووباء وعزلة جسدية، وما أدّت إليه هذه المتغيرات الحادة من علاقات شائكة محلية وعامة، إن كانت على صعيد علاقة الفرد بالدولة وشرعيتها وقوانينها، أي الدعوة الى عقد اجتماعي جديد، أو من علاقات الفرد بالانتفاضة وصوتها، وعلاقته بجسده خلال فترة الحجر، وصولا الى طرح مواضيع مثل الأرقام والبيانات التي أصبحت الشغل الشاغل بعد انهيار اقتصادي ووباء بتنا نلاحقه ايضا بالأرقام والاحصائيات.

نفتتح نشرتنا هذه بمحاور ثلاثة لكلمات ثلاث “ر. ق. م” “ص. د. ى” ” ف. ر. د”. ثلاثة محررون سيناقشون هذه المحاور هم هشام عوض “رقم”، وريا بدران “صدى”، وإدوين نصر “فرد”، ليقوم كل منهم بتكليف خمسة كتاب من أكاديميين ومنظّرين وعاملين في الحقل الثقافي لنشر أوراق تتمحور حول هذه الكلمات الثلاث ومشتقاتها، وتكليف عدد من الفنانين لتقديم أعمال تتفاعل مع هذه المحاور ومع الأوراق المنشورة ايضا. ثلاثة محاور في العدد الأول يتوزع كل محور على خمسة كتاب من اختيار المحررين، أي أننا سنستقبل خمس عشرة ورقة بحثية. سنقوم بنشر هذه “الأوراق والتكليفات الفنية ” أسبوعيا على المنصة، وتباعا خلال مدة تمتد لأربعة أشهر، أي في كل أسبوع حلقة من محور مختلف.

عن الرقم وبياناته في الاقتصاد ما بين القيمة والسعر، عن التاريخ السياسي للإحصائيات وتأثيره على مفاهيم مثل العنصرية والهوية والانتخابات طبعا، عن الجموع والترقيم، وعن محورية الرقم في الاقتصاد اللبناني المنهار، اذ ان الازمة المالية والاقتصادية التي أدت الى أزمة في المنظومة الاجتماعية والعكس بالعكس، وخسارة المودعين ودائعهم في البنوك، إلى المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والازمة المعيشية الحادة التي جعلت من حكايات الرقم وترقب سعر صرف الدولار والحديث عن أرقام الفوائد وشكل الاقتصاد ما بين تحكم الدولة وهبوطه الحر الحاد، وضعت هذه الأحاديث الرقم في صلب يوميات المواطنين، أصبح وكأنه كائن حاضر في كل تشعبات هذه الأزمة لا بل من أساسياتها وحلولها.

عن الصدى، الصوت مقابل الصمت مقابل السكون مقابل الفراغ، اللا-إمكانية في السمع، اللا-صوت الذي نشعر به في الفضاء العام، صوت الاحتقان برهة قبل الانفجار، صوت العجز. الصوت حماسة الجموع، انتفاضة الحناجر، إعلاء الصوت في الانتفاضة كوسيلة للتعبير عن الفشل، عن التغير وعن فعل الاعتراض، ضرب على حائط حديدي وعلى درابزين الجسور وقت الاشتباك مع الشرطة كحركة احتجاجية اعتراضية، وتكثيف لصوت الرنين. نقاش عن تجديد الموسيقى وعن أسباب عدم التجديد فيها في زمن الاحتجاجات في لبنان، عن إشكاليات التعبير السمعية الموسيقية في زمن الثورات. وعندما نقول عدم التجديد لا نركن هنا الى نوع معين بل الى حالة اعتراضية رافقت الموسيقى المنبعثة من الساحات، وكان الاعتراض عن عدم قدرة هذه الموسيقى على مجاراة الصوت الجديد للمنتفضين، مع بعض الاستثناءات طبعا، وظهر هذا واضحاً في الراب. نقاش في الصوت الطبقي؛ أي السمع على اختلافه في البيئة الشعبية مقابل البيئة البرجوازية، أي الصوت والصدى في العمارة والأحياء. نقاش في الصوت والسمع وتهذيبهما من قبل الرأسمالية، أي الفراغ الصوتي الذي أرسته هذه السلطة كوسيلة أخرى للقمع.

عن الفرد في دوامة الحدثين الأساسيين في لبنان والعالم، وباء وأزمة اقتصادية، فتحتا الأسئلة على مصراعيها عن مصير الفرد في ظل سيطرة الدولة المركزية ومعنى الانظمة الديمقراطية في ظل الوباء وتقييد حرية الفرد. وقد شهدنا نقاشات على مدى الأشهر الماضية عن نماذج مختلفة لهيمنة الدولة وتضخم دور أنظمة المراقبة ما جعل الفرد في عزلة جسدية ومنتهَك الخصوصية في الوقت عينه، نقاشات حول تغيّر مفاهيم العيش ما بعد الوباء. في لبنان وبعد انتفاضة وأزمة اقتصادية حادة، صارت كلمات مثل الجموع والثوار تختزل أفرادا في كيانات اجتماعية محددة ككتلة متحركة في وقت الهبّات، كشعب بمواجهة السلطة. إختزالية إعادة الفرد الى الدائرة الأولى عند انتهاء المظاهرات واشتداد الأزمة، ليصبح المواطن فردا متروكا لمصيره في تأمين عيشه وفي قلقه وفي انتحاره.

الفرد المتحوّل الى رقم في هذه المنظومة يحاول رفع صوته ولا جواب سوى صداه. لعل الرابط بين هذه الكلمات/ المحاور “فرد”، “رقم”، “صدى”، هو الأنا. إذ يبدو أن كل فعل نأتي به بعد انتفاضة تشرين في لبنان، كل فكرة او كل ممارسة، لا ينفصل عن سؤال “أين أقف الآن”. للوهلة الاولى كنت أريد أن أكتب السؤال كالتالي: “إلى أين نتجه، وماذا علينا أن نفعل لوقف هذا الانهيار على كافة المستويات في لبنان، ومن يدفع ثمن خراب هذا البلد”، ولكنني تنبهت الى أن مثل هذه الأسئلة لا أهمية لها، طالما أن القلق تعدى كونه خوف من شيء واضح طارئ سينتهي مع انتهاء الأزمة، وتحوّل الى أزمة وجود، القلق الذي يفتك بنا جميعا. هذا ليس احباطاً، ولكن في زمن إنهيار الدولة يصبح الفرد وتفتيشه عن خلاصه صدىً لهذا الانهيار ورقم فيه، فرداً يحاول النجاة عبر الهجرة أو الانخراط في الجموع لعل الفعل السياسي الاجتماعي يلهيه عن قدره المحتوم.

أجسادنا تتظاهر، أجسادنا محبوسة في الحجر الصحي. قبل ذلك كانت اجسادنا تسهر، ترقص على إيقاع الفوائد المرتفعة، تيك تاك تيك تاك، صوت ماكينة عد الاموال في البنوك التي لا تخطئ، نرقص على إيقاعها، على وضع اقتصادي موهوم بفكرة الاستهلاك، مديرة البنك تبتسم، لقد استفدتم من كل هذا النظام المصرفي أليس كذلك؟ يتراجع جسدي الى الوراء كمذنب، بسبب ما آل إليه البلد، أنا المسؤول! انا الرقم بين أرقام المسروقين، أنا الصدى المرَجِّع لصوت الفساد.

الشكر لكل من ساهم، وسيساهم في هذه النشرة من محررين وكتاب وفنانين ومصممين ومترجمين.