ملاحظاتٌ نحو تحالفٍ مع العائدين

ميرين أرسانيوس

أن تكتب يعني أن تعمل من أجل الموتى، أن تخلق الظروف الملائمة لعودة الأشباح. في سبيل إنجاح هذه المهمة يجب على الكاتب التخلي عن رغبته في سرد ​​قصة. الموتى لا يروون القصص، بل يعودون لتعطيل الروايات التي تصرّ على البدايات وصلب الموضوع والنهايات. يتحرّك الموتى في دوائر، ويعودون دوماً إلى مكانٍ أو لحظةٍ أو وضعٍ معروف. أن تكتب للشبح يعني أن تتقفّى الآثار، وأن تعيد النظر في حدثٍ قديمٍ لم تتمكن من استيعابه سابقاً ضمن سلسلة أحداثٍ متّصلةٍ وثابتة. يحتاج الشّبح نثراً استطرادياً ومعجميّاً تتّحد فيه النواحي الزمنيّة المتنازعة في لحظةٍ واحدةٍ من الزمن.

ليس الشّبح مجازاً أدبيّاً أو استعارةً شعريّةً نشير بها إلى أكثر الوحوش المكبوتة فينا قسوة. بينما تكثر قصص الأشباح في الحكايات القوطية، والمنازل المسكونة، والمقابر المهجورة، وفي حكايات اضطراب الأرواح عند دفنها في غير أماكنها، أو عودة النفوس المضطربة والمتعثرة للمطالبة بحقوقها، إلخ… ليس الشّبح مسألة إيمان، وليس من نسج مخيّلتنا. إنّه يرفض النقاشات حول حقيقة وجوده ويسخر من طقوس الطرد التي تهدف إلى إخفاءه. الشّبح هو الاختفاء، هو المجهول الذي ينشط حسيّاً، ويتحدّى بذلك قدرتنا على تأطير الظواهر في كلمات، ويرمي على عاتقنا مهمة إيجاد مفردات تصف كيف أنّ العالم المادي دائماً ما يكون نتاج قوى غير مادية.

كنت أودّ الحديث عن أشباحي، لكن ليس هناك شيء كهذا. تأتي الأشباح بأعدادٍ كبيرةٍ وبطريقةٍ مشتركةٍ بشكلٍ أساسي. يعودون لإلغاء التعريفات، وللمطالبة بإعادة صياغة كاملة للشروط التي ترسّخ على أساسها فئات مثل الحياة والموت، العضوي وغير العضوي، الحيّ وغير الحي. تعود الأشباح للاحتجاج على الموت، تلك الصناعة التي يستغلها أولئك الذين يقرّرون من يستحق العيش ومن يعتبر ميّتاً حتّى في حياته. يعود الشّبح لإلغاء شروط هذه الترتيبات الاستخراجية.

العمل من أجل الموتى، عمل. الأشباح متطلّبة، وتتذمّر للفت الانتباه، تماماً مثل الأطفال. تطالب بأن يكون غير المرئي مرئيّاً، وتصرّ على عدم اختزال ما هو غير مرئيٍ من مجال الرؤية، ولا تطيق تحمّل التمثيل، كما لا يمكن معالجة شكاويها أو تصنيفها ضمن المطالبات الفردية. في العمل من أجل الموتى، يسعى الكاتب جاهداً لإيجاد لغة مجرّدةٍ من الذات أو الامتلاك، وجملاً لا تعبّر عن الفاعلية الفردية (لا تتحدث الأشباح أبداً بصيغة المتكلّم).

أكتبُ عن الشّبح من دون أن أعرف ماهيّته. أقتبس اقتراحاتٍ مثل “الأشباح متطلّبون”[1] لكنني لا أعرف مدى حقيقة هذا الأمر. يسكن الشّبح تركيبات نحويّة متناقضةً تتعارض مع تأكيداتٍ مثل “يكون الشّبح” أو “لا يكون الشّبح”. تعريف الشّبح هو الفشل في التقاط طبيعة عدم وجوده. أن نعرّفه يعني أن نفشل في استخلاص طبيعة عدم وجوده، وأن نكتب عن الشّبح يعني أن نفشل في الكتابة عن الشّبح. يعني العمل من أجل الموتى أن نحتجّ على الظروف التي تفصلنا عنهم. لا يمكن للأحياء أن يعيشوا بدون الأموات، ولا يمكن للأموات أن يموتوا إن نُسيوا. عليه، تعني الكتابة عن الشّبح أن نتولّى مهمة العمل المتبادل: “إذاً الأحياء والأموات مترابطون. على الدوام. لم يكسر هذا الترابط سوى نموذجٍ حديثٍ وفريدٍ من الأنانيّة، خَلّف نتائج كارثيةً على الأحياء، الذين يعتقدون حاليّاً أنّ الموتى قد صاروا مُبعَدين”2[2]. يمكننا القول إنّ الكتابة عن الشّبح تتمثّل في استجواب بنيتنا الهندسيّة وتباعدنا، وذلك لإنتاج لغةٍ يمكنها التعبير عن ترابطنا الروحي دون إنكار حداثتنا.

أن تكتب مع الشّبح في ظلّ الجائحة العالميّة، وأعداد الموتى الكبيرة، والكساد الاقتصادي غير المسبوق، والخسائر المتتالية، أصعب من الكتابة عن الشّبح في أوقاتٍ تبدو الأمور فيها طبيعية.

أولئك المُعتَبَرون أحياءً غارقون تماماً في البقاء على قيد الحياة، والركض وراء احتياجاتهم، والتعامل مع أمراضهم، والتصارع مع تفسّخ الحياة الاجتماعية، ودفن أحبائهم (كلّما أمكن ذلك)، وإيجاد جيوبٍ من ضوءٍ وأملٍ ومساحاتٍ للتنفس. يتعرّض الترابط بين الحياة والموت في حالة الأزمة الدائمة للخطر. من شدّة تركيزهم على البقاء على قيد الحياة، يحوّل الأحياء حياتهم إلى موت، بوجودٍ طفيليٍ يستنزف نشاطهم وطاقتهم المتضائلة. ينسون أنّهم مرتبطون بحالةٍ مشتركة، وأنّهم يشاركونهم ظروف وفاتهم. علينا أن نسعى للوحدة مع الشّبح “لأننا، مثله، ضحايا نفس الظروف ونفس خيبة الأمل”[3].

تتراكم الأشباح عبر الأجيال، وتشكّل كتلةً عديمة الشكل من النفوس المفكّكة. شيءٌ ما (مثل المظالم التي لم يتم حلها) يدفعهم إلى العودة، حيث يتمسّك كلّ جيلٍ بجراحه التاريخية. تنصب الذاكرة المؤسسيّة كميناً للأشباح، وتهدّئ من مظالمهم من خلال التمثيل. فالاعتناء بجروحهم يعني دعم مصائرنا المترابطة. لا يتحرّر الشّبح من رغبته بالعودة الاضطّرارية إلّا عندما يتم الاعتراف أن هذه الجروح حصلت بإرادتنا.

كيف ستبدو الوحدة مع الشّبح؟ ما هي أنواع التحالفات التي يمكن نسجها مع حالاتٍ أخرى للوجود والعدم؟ كيف لنا أن نتخيّل تحالفاً ينظّم فيه الموتى والأحياء أنفسهم في ائتلافات انتقامية عبر العالم، ائتلافات تقاوم النظام النيوليبرالي الفاسد الذي لا يرحم، والمسؤول عن قتل الموت الذي نستحقه جميعاً والحياة التي يجب أن نعيشها؟

العمل من أجل الأموات عملٌ خاسرٌ، لكنّه ليس فريضةً أو التزاماً. الشّبح لا يردّ الجميل. إنّه يعلم أنّ ما ندين به لبعضنا البعض لا يمكن قياسه. للعمل مع الشّبح يجب أن تكون على استعدادٍ للتخلي عن كلّ شيء. أن تعطي دون مقابلٍ عندما “لا يكون العطاء استثماراً”[4].

تتحوّل لغة الأشباح من المفرد إلى الجمع وبالعكس.

العمل من أجل الموتى يعني فصل الربح عن الموت، وتخريب التوقّع حول عائد الاستثمار. الشّبح ميراثٌ خالٍ من المال، إرثٌ ضد البنوّة (نَرِثُ ما ليس لنا). يعود الشّبح لإلغاء العائدات. تعرّف العائدات بأنّها: “المال أو مبلغٌ من المال، يتم تحقيقه عبر ممارسة مهارةٍ أو مهنةٍ أو من خلال الاستثمار أو التجارة”، وهي أيضاً: “الكَسب أو الربح أو الدخل عبر الوسائل التي يتم إنتاج المال من خلالها”[5]. يتحدّى الشّبح التّعريفات، ويرفض إعادة ما هو متوقّع أو مستحق أو عادل. الشّبح ليس عادلاً، وليس مخلّصاً في الآخرة ولا صوتاً للعدالة الإلهية. الشّبح غير متوقّع، وفوق ذلك متقلّبٌ وهستيري، يقف ضد الحسابات والتكهّنات والتوقّعات المتعلّقة بما نعتقد أنّنا نملكه، أو نَدين به، أو نتوقّع الحصول عليه. يعود الشّبح من دون أن يعيد شيئاً، إلّا ما لم نتمنى قط الحصول عليه في بادئ الأمر.

يعمل جميع الكتّاب في هذا العدد مع الأموات ومن أجلهم. إنّهم ينخرطون، من دون عودة، في الأسى. يجدون أشكالاً (أدبيّة وشعريّة ونقديّة وبصريّة) مناسبةً لتأمّلاتهم حول العائد من الموت. خلال الكتابة، يصيرون أقلّ ممّا كانوا عليه قبلها، يتركون أجزاءً من أنفسهم تنفصل مثلما تنفصل صفيحةٌ جليديةٌ عن نهرٍ جليديٍ في طور الذوبان. يشارك كلٌّ من سلمى شامل، وهيثم الورداني، ولمى الخطيب، وسونيلا موباي، وكريستيان نيامبيتا، وآسيا ودود، ومكسيم حوراني، أبعاداً متنوّعةً عن الشّبح: الجن، والحياة الآخرة للحَيَوات السوداء، والخلايا الدقيقة، والعنف النبوي، والموتى الأحياء.

لا أعرف ما الذي سينتج عن هذه المساهمات، فبينما أكتب هذه السطور، يواصل المساهمون بدورهم العمل على نصوصهم. لكن، وعلى كل حال، أعتقد أنّ هذا الإصدار هو مساحةٌ لتشكيل شاعريّةٍ (غير تمثيليّة وانتقاميّة ومهتمّة) تشمل الأحياء والأموات، شاعريّةٌ تَعِد، حتى في حال فشلها، بإمكانيّة وجود لغةٍ تتناسب مع خسائرنا.


[1] موريسون، توني. محبوبة. فينتج، ٢٠٠٤.

[2] برجر، جون. “١٢ رسالة حول اقتصاد الموتى”. ذا سيلفر بيرد، ٢٠١٥. https://cleansilver2.wordpress.com/2015/06/16/twelve-theses-on-the-economy-of-the-dead-john-berger.

[3] أدورنو، ثيودور وماكس هوركهايمر. جدل التنوير. ترجمة جون كامينغ. فيرسو، ٢٠١٦.

[4] بالدوين، جيمس. صليب الفداء: كتابات غير مجموعة. فينتج، ٢٠١١.

[5] قاموس أوكسفورد الإلكتروني: السّجل الشّامل للّغة الإنجليزية (أونلاين). www.oed.com.